غير أن أهمية هذه التظاهرة لا تكمن في عروضها الفنية فقط، بل في ما رافقها من عمل ميداني استعدادًا لاستقبال الجمهور، حيث انخرطت مختلف الهياكل المحلية والجهوية في تهيئة الفضاءات وضمان أفضل الظروف للمتساكنين والزوار.
استعدادات ميدانية قبل انطلاق المهرجان
وفي هذا الإطار، انطلقت أشغال التنظيف وتقليم الأشجار وتهيئة محيط ملعب الكنكساج بحي ابن سينا 2، باعتباره أحد الفضاءات التي ستحتضن جانبًا من العروض الفنية والفرجوية المدرجة ضمن برنامج المهرجان.
وتندرج هذه الأشغال ضمن الاستعدادات الرامية إلى توفير فضاء لائق وآمن للجمهور، إلى جانب تحسين محيط الملعب وإعطائه صورة تتناسب مع أهمية التظاهرة وحجم الإقبال المنتظر عليها. وقد تمت متابعة سير الأشغال بحضور المندوب الجهوي للشباب والرياضة نزار العوسجي، ومعتمد الكبارية، وعدد من العمد، إلى جانب رئيس قسيمة النظافة معز النفزي، وذلك في إطار التنسيق بين مختلف المتدخلين ومتابعة جاهزية الفضاء الذي سيستقبل العروض. كما برز الدور الميداني لكل من رائد بن شيخة، رئيس المجلس المحلي بالكبارية، وبلال الجبالي، نائب عمادة ابن سينا 2، من خلال متابعة الاستعدادات والتنسيق على الميدان، بما يساهم في ضمان جاهزية الملعب وإنجاح هذه التظاهرة الشبابية.
عندما تتحول الهياكل المحلية إلى قوة دفع
وتبرز هذه التجربة أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المجالس المحلية والعمد والهياكل القريبة من المواطن، باعتبارها ليست مجرد هياكل إدارية، وإنما يمكن أن تكون قوة دفع حقيقية للعمل المحلي والتنمية، متى اقترنت المسؤولية بالحضور الميداني والإنصات إلى مشاغل المواطنين والحرص على تحقيق نتائج ملموسة.
فالتنمية لا تبدأ دائمًا من المشاريع الكبرى، وإنما يمكن أن تنطلق من الحي ومن تفاصيل الحياة اليومية: من ملعب تتم تهيئته، وفضاء ثقافي يتم تنشيطه، وشارع تتم العناية به، ومبادرة تجمع الشباب والعائلات وتعيد الحياة إلى الفضاءات العمومية. وهنا يشعر المواطن بأن الهياكل القريبة منه موجودة فعلًا لخدمته، وأن العمل المحلي يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على جودة الحياة داخل الحي.
خمسة أيام من الفن والثقافة
ويحمل برنامج الدورة الثانية من مهرجان الشباب بابن سينا تنوعًا فنيًا وثقافيًا، حيث تنطلق الفعاليات يوم 18 أوت بعرض «أولاد الريح»، قبل أن يتجدد الموعد يوم 19 أوت مع عرض «La Magie du LED». ويخصص يوم 20 أوت لعرض «حضرة الحومة» بحضور الفنانة الهادئ دنيا، فيما يكون الجمهور يوم 21 أوت على موعد مع عرض فني بقيادة الفنان عبد الكريم الباسطي.
وتختتم فعاليات المهرجان يوم 22 أوت بعرض تقدمه فرقة مدينة الثقافة، ليكون ختامًا لخمسة أيام من التنشيط الفني والثقافي الموجه إلى أبناء المنطقة وزوارها.
ويمثل هذا الامتداد الزمني فرصة لإعادة الاعتبار إلى الثقافة داخل الأحياء، وتوفير فضاءات للترفيه والتنشيط، خاصة لفائدة الشباب والعائلات التي تحتاج إلى مثل هذه المبادرات القريبة من محيطها السكني.
الثقافة والرياضة.. استثمار في الإنسان
إن تهيئة ملعب الكنكساج بالتزامن مع تنظيم مهرجان الشباب تحمل رسالة تتجاوز حدود المناسبة.
فالثقافة والرياضة ليستا مجرد وسائل للترفيه، بل هما من مكونات بناء الإنسان وتعزيز الانتماء إلى الحي والمجتمع والوطن. فالشباب يحتاج إلى ملاعب وفضاءات رياضية، كما يحتاج إلى الثقافة والفن ومساحات التعبير والإبداع والمشاركة. والعائلات تحتاج بدورها إلى فضاءات آمنة ومحترمة تسمح بالترفيه والتلاقي وصناعة ذكريات إيجابية داخل أحيائها. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في الأحياء، وخاصة الأحياء الشعبية، هو استثمار في الإنسان وفي الاستقرار الاجتماعي وفي مستقبل الأجيال القادمة.
العمل الميداني.. المعيار الحقيقي
ما يريده المواطن في نهاية المطاف ليس الشعارات، وإنما النتائج التي يراها أمامه على أرض الواقع.
تنظيف فضاء، تقليم الأشجار، تهيئة ملعب، تنظيم مهرجان، دعم الشباب، وتحقيق التنسيق بين مختلف الهياكل، قد تبدو كلها أعمالًا بسيطة في ظاهرها، لكنها عندما تتراكم يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في الحياة اليومية للمواطنين. والتحدي الأكبر يبقى في ضمان استمرارية هذه الجهود وعدم ارتباطها فقط بموعد المهرجان، حتى تتحول إلى مسار دائم للعناية بفضاءات الشباب والرياضة والثقافة في ابن سينا والكبارية ومختلف الأحياء.
من مهرجان إلى تجربة محلية قابلة للاستمرار
يمكن لمهرجان ابن سينا أن يستمر أبعد من خمسة أيام من العروض الفنية؛ إذ يمكن أن يتحول إلى نموذج لما ينبغي أن يكون عليه العمل المحلي: حضور ميداني، تنسيق بين الهياكل، قرب من المواطن، واستثمار الإمكانيات المتاحة لتحقيق نتائج ملموسة.
وإذا نجحت هذه الروح في الاستمرار بعد انتهاء المهرجان، فإن التظاهرة ستكون قد حققت هدفًا أوسع من الترفيه، يتمثل في إعادة تنشيط الفضاءات العمومية، وتشجيع الشباب على المشاركة، وترسيخ الثقافة والرياضة كجزء أساسي من الحياة اليومية داخل الأحياء. ومن ابن سينا يمكن أن تبدأ حكاية أكبر: ثقافة في الأحياء، رياضة للشباب، فضاءات تليق بالمواطن، وعمل محلي تقاس قيمته بما ينجزه على أرض الواقع.

