بدأت البطولة الوطنية المحترفة لكرة القدم، وبدأ معها الموسم الوطني للجعجعة. جعجعة في وسائل الإعلام، وجعجعة أكبر في وسائل التواصل الاجتماعي، وصور للانتدابات، وفيديوهات للتقديم، وعضلات تُستعرض، وأجسام عملاقة حتى يخيل إليك أن الأندية التونسية لم تعد تنتدب لاعبي كرة قدم، بل تستورد الديناصورات من القارة الإفريقية لتشارك في الدوري التونسي! كل شيء حاضر إلا الشيء الوحيد الذي ننتظره منذ سنوات: كرة القدم.
قبل أن تبدأ البطولة، تبدأ عملية النفخ. هذا اللاعب «صفقة القرن»، وذاك «قنبلة الانتدابات»، وثالث «وحش إفريقي»، ورابع طوله كذا ووزنه كذا، وخامس عنده قدم يمنى تزن كذا سنتيمتراً! وكأننا بصدد إعداد ملف لانتداب حارس أمن في حديقة حيوانات، لا لاعب كرة قدم. تفتح الهاتف، فتجد التصاور: لاعب يبتسم بالقميص الجديد، لاعب يرفع القميص، لاعب يضع يده على الشعار، لاعب يقف بجانب المسؤول، لاعب في المطار، لاعب في السيارة، لاعب أمام الفندق، لاعب في الملعب، وبعدها لاعب آخر… وبعد أسبوع قد لا تراه فوق العشب أصلاً!
ثم تأتي الحكاية الكبرى: غزو اللاعبين الأفارقة. حتى أصبح بعض الأندية يتصرف وكأن حدود كرة القدم التونسية قد أُلغيت، وكأن باب الانتدابات فتح على مصراعيه، وكأن المطلوب ليس بناء فريق وإنما جمع أكبر عدد ممكن من الجنسيات في غرفة الملابس. لا أحد يسأل السؤال البسيط: ماذا سيضيف هذا اللاعب؟ المهم أن يكون «قوي البنية»، «سريعاً»، «صاحب تجربة»، و«قادم من بطولة محترمة». أما الكرة؟ أما التكتيك؟ أما الشخصية؟ أما القيمة الفنية؟ فهذه تفاصيل صغيرة يمكن تأجيلها إلى ما بعد التصوير!
والغريب أن كرة القدم التونسية أصبحت تُدار أحياناً بمنطق «بيع وشراء»، أكثر مما تُدار بمنطق صناعة كرة القدم. لاعب يأتي، لاعب يرحل، عقد يُفسخ، عقد يُمضى، وكيل يتحدث، مسؤول يصرح، صفحة تنشر، جمهور يصفق… وفي النهاية تدور الكرة في الملعب فنكتشف أن كل تلك الضجة كانت أكبر من المباراة نفسها. وحتى كلمة «الاحتراف» أصبحت تشبه بعض الكلمات التي فقدت معناها من كثرة استعمالها. بطولة وطنية «محترفة»، ولكننا نتصرف أحياناً وكأن الاحتراف مجرد لافتة معلقة فوق باب قديم.
أما نحن، فقد رأينا المنتج النهائي في كأس العالم. رأينا المنتخب، ورأينا كرة القدم التونسية عندما خرجت من الاستوديوهات وصفحات «الفايسبوك» ودخلت إلى الملعب. رأينا الكاركوز. ورأينا كيف يمكن لكرة القدم أن تكون أقل بكثير من الضجيج الذي يصنع حولها.
ومع ذلك، لم يحدث شيء. لا مراجعة حقيقية. لا انقلاب في طريقة التفكير. لا مشروع واضح. لا ثورة في التكوين. لا فلسفة جديدة في الانتدابات. لا سؤال جدي حول لماذا نتراجع، ولماذا ننتج هذا الكم من الكلام وهذا القليل من الكرة.
نفس الوجوه الإعلامية، ونفس الوجوه الإدارية، ونفس الخطاب، ونفس التمشي، ونفس الأخطاء التي تتغير أسماؤها فقط. وكأن كرة القدم التونسية تعيش في حلقة مفرغة: نرتكب الخطأ، نغضب منه، ننساه، ثم نعيد ارتكابه باحتفال أكبر. نحن لا نريد أن نرى فريقاً يضم أحد عشر لاعباً يملكون أجساماً ضخمة. نريد أن نرى أحد عشر لاعباً يملكون فكرة.
كرة القدم ليست مسابقة في الطول والعرض والوزن. وليست معرضاً للعضلات. وليست مسابقة في عدد اللاعبين الأفارقة الذين يمكن وضعهم في قائمة الفريق. كرة القدم عقل قبل أن تكون عضلة، وانسجام قبل أن تكون أجساماً، ومشروع قبل أن تكون صفقة. لكن يبدو أن المشروع أصبح آخر ما نفكر فيه.
نحن نحب الصورة قبل الفيلم، والعنوان قبل الخبر، والصفقة قبل النتيجة، واللاعب قبل الفريق، والضجة قبل الإنجاز. ولذلك أصبحت البطولة تبدأ قبل أن تبدأ: صفحات تنفخ، إعلام يضخم، وكلاء يلمعون، جماهير تحلم، ومسؤولون يتحدثون… ثم تأتي المباراة لتكشف الحقيقة بلا مكياج. والحقيقة قاسية أحياناً.
لأن العشب لا يعرف «الترند»، ولا يحترم عدد المتابعين، ولا يهتم بمن نشر الصورة أولاً. الكرة لا تقرأ البلاغات، ولا تسمع تصريحات المسؤولين، ولا تنبهر بعضلات اللاعب. الكرة تسقط على الأرض، ومن يعرف ماذا يفعل بها هو الذي ينتصر.
لذلك، مع انطلاق البطولة الوطنية المحترفة، لا يسعنا إلا أن نقول: اسمع جعجعةً ولا ترَ طحيناً. جعجعة الانتدابات، جعجعة التصاور، جعجعة «القنابل»، جعجعة «الديناصورات»، جعجعة الوكلاء، جعجعة الصفحات، وجعجعة الإدارات… والطحين؟ مازال ينتظر أن يصل إلى المطبخ.
وربما المشكلة ليست في أن الطحين لم يصل بعد، بل في أننا منذ سنوات نطحن الكلام أكثر مما نطحن كرة القدم.
فلتبدأ البطولة إذن. سننتظر صافرة الحكم، ونغلق الهاتف قليلاً، ونترك التصاور جانباً، وننسى الألقاب الكبيرة التي منحت للاعبين قبل أن يلمسوا الكرة. عندها فقط سنعرف: هل اشترينا لاعبين فعلاً… أم اشترينا حكايات عن لاعبين؟
وهل بدأت بطولة جديدة؟ أم بدأ موسم جديد من نفس المسرحية، بنفس الممثلين، وبنفس الوجع… مع تغيير القمصان فقط؟

