لكن جمهور إليسا اختار أن يجيب بطريقته الخاصة: من شباك التذاكر. فمنذ طرح التذاكر، شهد الإقبال نسقًا لافتًا، قبل أن تعلن نفادها، لتأتي ليلة 15 أوت وتحسم الجدل على أرض الواقع، حيث توافد جمهور إليسا بأعداد كبيرة منذ ساعات مبكرة، في مشهد جماهيري أكد أن الفنانة اللبنانية تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة في تونس.
إليسا على الركح.. والإجابة كانت بالغناء
منذ صعودها إلى ركح قرطاج، بدت كل الأنظار موجهة نحو إليسا، التي اختارت إطلالة أنيقة بفستان أبيض مطرز، جمعت بين الرقي والبساطة والفخامة. وافتتحت سهرتها بأغنية «كل يوم في عمري»، قبل أن تنطلق في رحلة موسيقية عبر مجموعة من أشهر أعمالها، مستعيدة مع جمهورها محطات مختلفة من مسيرتها الفنية.
وعبرت إليسا عن سعادتها بالعودة إلى قرطاج بعد غياب، مؤكدة أن الوقوف على هذا المسرح يمثل تجربة استثنائية بالنسبة إليها، ومشيدة بالعلاقة التاريخية والثقافية التي تجمع تونس ولبنان. كما أكدت اعتزازها بالغناء أمام الجمهور التونسي وحمل اسم لبنان فوق أحد أشهر المسارح العربية، في ليلة بدا فيها التفاعل الجماهيري بمثابة أفضل إجابة عن كل الأسئلة التي سبقت الحفل.
من الحب إلى الوجع.. رحلة في ذاكرة الجمهور
تنقلت إليسا بين عدد من أشهر أغانيها، من «أجمل إحساس» و«عيشالك» إلى «شافونا اثنين» و«حالة حب» و«كرهني» و«كرمالك»، لتأخذ جمهورها في رحلة عاطفية جمعت الحب والاشتياق والخذلان والفراق والأمل.
ولم تقتصر السهرة على أعمال إليسا الخاصة، إذ حضرت الأغنية اللبنانية الأصيلة من خلال ميدلي خاص لأيقونة الغناء العربي فيروز، قدمت خلاله «كان عنا طاحون» و«سهر الليالي». وكانت التحية موجهة إلى فيروز، وإلى لبنان، وإلى الجالية اللبنانية التي حضرت الحفل، في لحظة حملت بعدًا عاطفيًا وثقافيًا خاصًا.
فنيًا.. إليسا كسبت الرهان
بعيدًا عن النقاشات التي سبقت الحفل، قدمت إليسا إجابة واضحة من فوق الركح. فقد نجحت في فرض حضورها أمام جمهور قرطاج، وأكدت أن الحكم الحقيقي على الفنان لا يصدر من مواقع التواصل الاجتماعي ولا من النقاشات السابقة للحفل، وإنما من قدرته على التواصل مع الجمهور عندما تنطفئ الأضواء ويبدأ العرض.
وكان تفاعل الجمهور طوال السهرة مؤشرًا واضحًا على نجاحها، حتى إن التجربة بدت بالنسبة إلى إليسا نفسها من أبرز محطات مسيرتها الحية، باعتبار أن قرطاج، كما أكدت، يظل مسرحًا مختلفًا عن بقية المسارح.
وهكذا خرجت إليسا من اختبار قرطاج وهي أكثر ثقة، بينما منحها الجمهور التونسي لقب «ملكة الإحساس» مجددًا، وأضاف إليه في تلك الليلة لقبًا آخر: «ملكة قرطاج».
لكن التنظيم كان الحلقة الأضعف
إذا كانت إليسا قد كسبت الرهان فنيًا وجماهيريًا، فإن التنظيم لم يخرج بالنتيجة نفسها.
فالحضور الجماهيري الكبير كشف عن نقائص أثارت استياء عدد من المتفرجين، خصوصًا مع تسجيل شكاوى تتعلق بعدم توفر أماكن لبعض حاملي التذاكر، في حين وجد آخرون أنفسهم أمام مدرجات وكراسٍ لا تبدو قادرة على استيعاب العدد الكبير من الجماهير. وهنا تحوّل نجاح الحفل الجماهيري إلى سؤال تنظيمي لا يمكن تجاهله:
هل يكفي بيع جميع التذاكر وتحقيق الإقبال الجماهيري، إذا لم تكن المنظومة التنظيمية قادرة على ضمان مكان وظروف مشاهدة لائقة لكل من اقتنى تذكرة؟
السؤال لا يتعلق فقط بحفل إليسا، وإنما بصورة مهرجان قرطاج ككل، وبمدى قدرة إدارة المهرجان على مواكبة الإقبال الكبير الذي يمكن أن تحققه بعض الأسماء الفنية.فالجمهور الذي يدفع ثمن التذكرة لا يشتري حق الاستماع إلى الفنان فقط، وإنما يشتري أيضًا حقه في الدخول الآمن، والعثور على مكانه، ومتابعة العرض في ظروف تحفظ كرامته وتضمن له تجربة تليق بمهرجان دولي.
إليسا غادرت منتصرة.. فماذا عن قرطاج؟
انتهت السهرة وإليسا تحمل معها انتصارًا فنيًا واضحًا. فقد صعدت إلى المسرح وسط جدل، وغادرته بعد أن تركت الجمهور يغني معها ويتفاعل مع أغانيها. لقد أثبتت أن الفنان لا يُحاكم مسبقًا، وأن المسرح هو المحكمة الحقيقية، والجمهور هو الحكم. أما قرطاج، فقد كشفت هذه السهرة عن معادلة لا بد من مراجعتها: نجاح البرمجة وحده لا يكفي لصناعة مهرجان ناجح. فحين تنجح الفنانة وتفشل بعض تفاصيل التنظيم، يصبح الانتصار ناقصًا.
إليسا كسبت ثقة قرطاج، وربما كسبت أيضًا جمهورًا جديدًا في تونس، لكن قرطاج يحتاج بدوره إلى استعادة ثقة كل متفرج اشترى تذكرته وجاء بحثًا عن ليلة استثنائية.
فالنجاح الحقيقي لأي مهرجان لا يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة أو بحجم الجمهور، وإنما أيضًا بما يحمله ذلك الجمهور معه عندما يغادر: ذكرى جميلة أم شعور بالخيبة؟ وفي ليلة إليسا، كانت الأغنية جميلة، والحضور قويًا، والتفاعل استثنائيًا… لكن التنظيم كان بحاجة إلى أن يغني على نفس الإيقاع.

