والوقفة، في حد ذاتها، ليست مجرد تجمع أمام بوابة ملعب، بل هي رسالة واضحة من جمهور لم يعد يريد أن يبقى متفرجًا على وضعية مركب يفترض أن يكون بيت النادي، وفضاء تكوين أجياله، وقاعدة أساسية لبناء مستقبله، فإذا به يتحول إلى ملف إداري تتداخل فيه الصلاحيات وتتقاذفه المسؤوليات. وهنا تبدأ الحكاية التونسية الجميلة… أو المضحكة، حسب زاوية النظر.
المركب على ملك البلدية، والجمعية تستعمله. البلدية تونسية، والجمعية تونسية، والملعب تونسي، والجمهور تونسي، والمركب موجود في تونس. ومع ذلك نجد أنفسنا أمام سؤال يبدو بسيطًا جدًا، لكنه في تونس قد يحتاج إلى اجتماعات ولجان ومحاضر، وربما إلى لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة لدراسة الموضوع! والسؤال بكل بساطة: ما المانع القانوني من البحث عن صيغة تجعل مركب الهادي النيفر تحت تصرف الملعب التونسي بشكل مستقر، أو حتى تمكّن النادي من امتلاكه إذا كانت القوانين والترتيبات القانونية تسمح بذلك؟
ولا أحد يطالب بأن تتحول الملكية العمومية إلى غنيمة رياضية، ولا أحد يقول إن الجمعية يمكن أن تضع يدها على عقار عمومي بلا سند قانوني. بالعكس، المطلوب هو فتح الملف بكل شفافية ووضوح، ومعرفة الوضعية القانونية الدقيقة للمركب: ما طبيعة ملكيته؟ وما حقوق البلدية؟ وما حقوق الملعب التونسي؟ ومن يتحمل الصيانة؟ ومن يقرر الأشغال؟ ومن يحدد كيفية الاستغلال؟ ومن يتحمل التكاليف؟ والأهم من كل ذلك: لماذا لا يتم البحث عن صيغة قانونية واضحة تمنح النادي الاستقرار الحقيقي في بيته الرياضي، وتتيح له الاستثمار فيه وتطويره وتحويله إلى رافد من روافد قوته؟ لأننا في تونس نملك موهبة نادرة في تحويل المسائل البسيطة إلى متاهات إدارية. واحد يملك، وواحد يستعمل، وواحد يقرر، وواحد ينتظر، وواحد يطالب، وفي النهاية يأتي المثل الشعبي التونسي ليختصر كل هذه المنظومة في عبارة واحدة عبقرية: «واحد يجلب وواحد يشدّ المحلب»! وكأننا أمام عملية اقتصادية متكاملة: واحد يأتي بالحليب، وواحد يمسك بالمحلب، والثالث ربما ينتظر القهوة!
المسألة أكبر من مجرد مثل شعبي
الرياضة الحديثة لم تعد ملعبًا و22 لاعبًا وحكمًا وصفارة و90 دقيقة. الملعب اليوم مؤسسة اقتصادية، والمركب الرياضي يمكن أن يكون مصدر مداخيل واستثمار وتكوين وشراكات، ويمكن أن يتحول إلى عنصر أساسي في قوة النادي واستقلاليته المالية. والنادي الذي يريد بناء فريق قوي وأكاديمية ناجحة ومداخيل مستقرة، يحتاج قبل كل شيء إلى معرفة أين يقف، وماذا يملك، وماذا يستطيع أن يستثمر، ومن يقرر في المكان الذي يمثل بيته الرياضي. والملعب التونسي، بما يحمله من تاريخ واسم وجمهور، لا يمكن أن يبقى في كل مرة ينتظر قرارًا إداريًا حتى يعرف مصير بيته الرياضي.
نحن نتحدث عن نادٍ يمتد تاريخه لأكثر من قرن، وعن مؤسسة رياضية ساهمت في صناعة أجيال من اللاعبين والرياضيين، وعن جمهور يعتبر مركب الهادي النيفر جزءًا من ذاكرته وهويته الرياضية. فكيف نريد من نادٍ أن يفكر في المستقبل، وفي التكوين والاستثمار والاحتراف، إذا كان مستقبل المنشأة التي يفترض أن تكون قاعدة عمله غير محسوم بصورة تمنحه الاستقرار؟ والأغرب أننا نريد كرة قدم تونسية محترفة، ونريد أندية تنافس قارّيًا ودوليًا، ونريد أكاديميات متطورة وتكوينًا حقيقيًا واستثمارًا في الشباب، ثم نتوقف أمام سؤال يبدو بدائيًا: من يتصرف في الملعب؟
نريد نتائج كبيرة بعقلية صغيرة، ونريد الاحتراف بعقلية الإدارة القديمة، ونريد الاستثمار ثم نترك النادي يسأل: من يقرر؟ ومن يمول؟ ومن يصون؟ ومن يسمح؟ ومن يمنع؟ وبعد ذلك نستغرب لماذا لا تتطور كرة القدم التونسية!
وقفة لجنة الأحباء
هي ليست فقط احتجاجًا على وضعية مركب، وإنما يمكن أن تكون مناسبة لفتح ملف كامل حول المنشآت الرياضية في تونس: من يملكها؟ من يديرها؟ من يستثمر فيها؟ ومن يتحمل مسؤولية تطويرها؟ ولماذا لا تكون للأندية التي صنعت تاريخ الرياضة التونسية صيغ قانونية واضحة ومستقرة تمكنها من التصرف والاستثمار والتطوير، مع المحافظة في الوقت نفسه على حقوق الدولة والبلديات والملك العمومي؟ نحن لا نريد معركة بين البلدية والملعب التونسي، ولا نريد أن تتحول الوقفة إلى صراع بين مؤسستين تنتميان في النهاية إلى نفس الوطن.
البلدية تونسية، والملعب التونسي تونسي، والجمهور تونسي، والمنشأة موجودة على أرض تونسية.
لماذا لا نبحث عن حل تونسي؟
لماذا لا تجلس الأطراف المعنية حول طاولة واحدة، وتبحث عن الصيغة القانونية التي تحفظ حقوق البلدية، وتمنح الجمعية الاستقرار، وتفتح الباب أمام الاستثمار، وتخدم الرياضة والمدينة والدولة في الوقت نفسه؟ إذا كان القانون يمنع، هاتوا القانون. وإذا كان القانون يسمح، طبقوه. وإذا كان القانون يحتاج إلى تعديل، عدلوه. لأن القانون ليس صنمًا، والقوانين وضعت لتنظيم حياة الناس والمؤسسات. وعندما تتغير الحاجات والظروف، فمن الطبيعي أن يقع تطويرها وتعديلها بما يخدم المصلحة العامة.
نحن لا نريد مخالفة القانون، بل نريد أن نعرف كيف يمكن استعمال القانون لصناعة الحل بدل استعماله لصناعة المانع. خصوصًا أننا خرجنا من صورة مؤلمة لكرة القدم التونسية بعد ما شاهدناه في كأس العالم، وأصبح من المشروع أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نريد فعلًا بناء كرة قدم قادرة على المنافسة؟ إذا كان الجواب نعم، فهل يمكن أن نبني كرة قدم حديثة بعقلية مازالت تتعامل مع المنشآت الرياضية كأنها مجرد عقارات تتوزع حولها الصلاحيات؟ كيف نطلب من الأندية أن تستثمر في التكوين والبنية التحتية والشبان، ثم لا نوفر لها حتى الاستقرار الضروري في المنشأة التي تعمل فيها؟
ربما نغيّر السؤال
بدل أن نسأل فقط: «شكون يملك المركب؟»، علينا أن نسأل أيضًا: «شكون باش يطوّر المركب؟» ومن يستطيع أن يستثمر فيه؟ ومن يستطيع أن يحوله إلى مصدر قوة للنادي؟ ومن يستطيع أن يضمن صيانته وتطويره؟ وكيف يمكن تحويله من مجرد منشأة رياضية إلى مشروع متكامل يخدم الملعب التونسي وباردو والرياضة التونسية؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تكون على الطاولة. فالمطلوب ليس منح امتيازات مجانية، ولا التفريط في الملك العمومي، ولا تجاوز القانون، وإنما إيجاد حل قانوني وعملي ودائم ينهي حالة عدم الوضوح، ويمنح الملعب التونسي القدرة على التخطيط والاستثمار والعمل للمستقبل. أما أن يبقى الوضع على قاعدة «واحد يجلب وواحد يشد المحلب»، فهذه ليست طريقة لبناء كرة قدم محترفة، ولا لبناء نادٍ يريد العودة إلى مكانته الطبيعية.
الملعب التونسي لا يطلب المستحيل
هو يطلب وضوحًا واستقرارًا وحقًا في معرفة مصير بيته الرياضي. ولجنة الأحباء، من خلال وقفتها السلمية، لا ترفع فقط مطلبًا يهم «البقلاوة»، بل تفتح نقاشًا أوسع حول طريقة إدارة منشآتنا الرياضية ومستقبل أنديتنا. فإما أن نواصل إدارة الرياضة بعقلية «شكون يملك وشكون يشدّ»، وإما أن نبدأ فعلًا في بناء منظومة احترافية تسأل قبل كل شيء: كيف نطوّر؟ وكيف نستثمر؟ وكيف نضمن مستقبل أنديتنا؟ والقرار في النهاية ليس مستحيلًا… إذا توفرت الإرادة، وجلست الأطراف المعنية إلى طاولة واحدة بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فالملعب التونسي يحتاج إلى بيت مستقر، والرياضة التونسية تحتاج إلى حلول لا إلى مزيد من المتاهات الإدارية.

