عاجل
رياضة

مركب الهادي النيفر: بين البلدية والملعب التونسي، من يملك، من يقرر؟

مركب الهادي النيفر ملف عمره سنوات يحتاج لقرار عاجل
مركب الهادي النيفر ملف عمره سنوات يحتاج لقرار عاجل

مركب الهادي النيفر ملف عمره سنوات يحتاج لقرار عاجل

احتجاج لجنة أحباء الملعب التونسي أمام مركب الهادي النيفر يعيد إلى الواجهة إشكالية ملكية واستغلال المنشآت الرياضية، وسط دعوات إلى صياغة حل قانوني يمنح «البقلاوة» الاستقرار والقدرة على الاستثمار وتطوير منشأتها، مع الحفاظ على حقوق البلدية والملك العمومي.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 6 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
يبدو أن ملف مركب الهادي النيفر بباردو بلغ مرحلة لم يعد فيها الكلام وحده كافيًا، ولذلك قررت لجنة أحباء الملعب التونسي تنظيم وقفة احتجاجية سلمية أمام المركب، تعبيرًا عن رفضها للوضعية التي آل إليها هذا الفضاء الرياضي الذي ارتبط اسمه بتاريخ «البقلاوة» وذاكرة أجيال من التونسيين.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

والوقفة، في حد ذاتها، ليست مجرد تجمع أمام بوابة ملعب، بل هي رسالة واضحة من جمهور لم يعد يريد أن يبقى متفرجًا على وضعية مركب يفترض أن يكون بيت النادي، وفضاء تكوين أجياله، وقاعدة أساسية لبناء مستقبله، فإذا به يتحول إلى ملف إداري تتداخل فيه الصلاحيات وتتقاذفه المسؤوليات. وهنا تبدأ الحكاية التونسية الجميلة… أو المضحكة، حسب زاوية النظر.

المركب على ملك البلدية، والجمعية تستعمله. البلدية تونسية، والجمعية تونسية، والملعب تونسي، والجمهور تونسي، والمركب موجود في تونس. ومع ذلك نجد أنفسنا أمام سؤال يبدو بسيطًا جدًا، لكنه في تونس قد يحتاج إلى اجتماعات ولجان ومحاضر، وربما إلى لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة لدراسة الموضوع! والسؤال بكل بساطة: ما المانع القانوني من البحث عن صيغة تجعل مركب الهادي النيفر تحت تصرف الملعب التونسي بشكل مستقر، أو حتى تمكّن النادي من امتلاكه إذا كانت القوانين والترتيبات القانونية تسمح بذلك؟

ولا أحد يطالب بأن تتحول الملكية العمومية إلى غنيمة رياضية، ولا أحد يقول إن الجمعية يمكن أن تضع يدها على عقار عمومي بلا سند قانوني. بالعكس، المطلوب هو فتح الملف بكل شفافية ووضوح، ومعرفة الوضعية القانونية الدقيقة للمركب: ما طبيعة ملكيته؟ وما حقوق البلدية؟ وما حقوق الملعب التونسي؟ ومن يتحمل الصيانة؟ ومن يقرر الأشغال؟ ومن يحدد كيفية الاستغلال؟ ومن يتحمل التكاليف؟ والأهم من كل ذلك: لماذا لا يتم البحث عن صيغة قانونية واضحة تمنح النادي الاستقرار الحقيقي في بيته الرياضي، وتتيح له الاستثمار فيه وتطويره وتحويله إلى رافد من روافد قوته؟ لأننا في تونس نملك موهبة نادرة في تحويل المسائل البسيطة إلى متاهات إدارية. واحد يملك، وواحد يستعمل، وواحد يقرر، وواحد ينتظر، وواحد يطالب، وفي النهاية يأتي المثل الشعبي التونسي ليختصر كل هذه المنظومة في عبارة واحدة عبقرية: «واحد يجلب وواحد يشدّ المحلب»! وكأننا أمام عملية اقتصادية متكاملة: واحد يأتي بالحليب، وواحد يمسك بالمحلب، والثالث ربما ينتظر القهوة!

المسألة أكبر من مجرد مثل شعبي

الرياضة الحديثة لم تعد ملعبًا و22 لاعبًا وحكمًا وصفارة و90 دقيقة. الملعب اليوم مؤسسة اقتصادية، والمركب الرياضي يمكن أن يكون مصدر مداخيل واستثمار وتكوين وشراكات، ويمكن أن يتحول إلى عنصر أساسي في قوة النادي واستقلاليته المالية. والنادي الذي يريد بناء فريق قوي وأكاديمية ناجحة ومداخيل مستقرة، يحتاج قبل كل شيء إلى معرفة أين يقف، وماذا يملك، وماذا يستطيع أن يستثمر، ومن يقرر في المكان الذي يمثل بيته الرياضي. والملعب التونسي، بما يحمله من تاريخ واسم وجمهور، لا يمكن أن يبقى في كل مرة ينتظر قرارًا إداريًا حتى يعرف مصير بيته الرياضي.

نحن نتحدث عن نادٍ يمتد تاريخه لأكثر من قرن، وعن مؤسسة رياضية ساهمت في صناعة أجيال من اللاعبين والرياضيين، وعن جمهور يعتبر مركب الهادي النيفر جزءًا من ذاكرته وهويته الرياضية. فكيف نريد من نادٍ أن يفكر في المستقبل، وفي التكوين والاستثمار والاحتراف، إذا كان مستقبل المنشأة التي يفترض أن تكون قاعدة عمله غير محسوم بصورة تمنحه الاستقرار؟ والأغرب أننا نريد كرة قدم تونسية محترفة، ونريد أندية تنافس قارّيًا ودوليًا، ونريد أكاديميات متطورة وتكوينًا حقيقيًا واستثمارًا في الشباب، ثم نتوقف أمام سؤال يبدو بدائيًا: من يتصرف في الملعب؟

نريد نتائج كبيرة بعقلية صغيرة، ونريد الاحتراف بعقلية الإدارة القديمة، ونريد الاستثمار ثم نترك النادي يسأل: من يقرر؟ ومن يمول؟ ومن يصون؟ ومن يسمح؟ ومن يمنع؟ وبعد ذلك نستغرب لماذا لا تتطور كرة القدم التونسية!

وقفة لجنة الأحباء

هي ليست فقط احتجاجًا على وضعية مركب، وإنما يمكن أن تكون مناسبة لفتح ملف كامل حول المنشآت الرياضية في تونس: من يملكها؟ من يديرها؟ من يستثمر فيها؟ ومن يتحمل مسؤولية تطويرها؟ ولماذا لا تكون للأندية التي صنعت تاريخ الرياضة التونسية صيغ قانونية واضحة ومستقرة تمكنها من التصرف والاستثمار والتطوير، مع المحافظة في الوقت نفسه على حقوق الدولة والبلديات والملك العمومي؟ نحن لا نريد معركة بين البلدية والملعب التونسي، ولا نريد أن تتحول الوقفة إلى صراع بين مؤسستين تنتميان في النهاية إلى نفس الوطن.

هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس
إقرأ كذلك
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس
نشر يوم 2026-09-12

البلدية تونسية، والملعب التونسي تونسي، والجمهور تونسي، والمنشأة موجودة على أرض تونسية.

لماذا لا نبحث عن حل تونسي؟

لماذا لا تجلس الأطراف المعنية حول طاولة واحدة، وتبحث عن الصيغة القانونية التي تحفظ حقوق البلدية، وتمنح الجمعية الاستقرار، وتفتح الباب أمام الاستثمار، وتخدم الرياضة والمدينة والدولة في الوقت نفسه؟ إذا كان القانون يمنع، هاتوا القانون. وإذا كان القانون يسمح، طبقوه. وإذا كان القانون يحتاج إلى تعديل، عدلوه. لأن القانون ليس صنمًا، والقوانين وضعت لتنظيم حياة الناس والمؤسسات. وعندما تتغير الحاجات والظروف، فمن الطبيعي أن يقع تطويرها وتعديلها بما يخدم المصلحة العامة.

نحن لا نريد مخالفة القانون، بل نريد أن نعرف كيف يمكن استعمال القانون لصناعة الحل بدل استعماله لصناعة المانع. خصوصًا أننا خرجنا من صورة مؤلمة لكرة القدم التونسية بعد ما شاهدناه في كأس العالم، وأصبح من المشروع أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نريد فعلًا بناء كرة قدم قادرة على المنافسة؟ إذا كان الجواب نعم، فهل يمكن أن نبني كرة قدم حديثة بعقلية مازالت تتعامل مع المنشآت الرياضية كأنها مجرد عقارات تتوزع حولها الصلاحيات؟ كيف نطلب من الأندية أن تستثمر في التكوين والبنية التحتية والشبان، ثم لا نوفر لها حتى الاستقرار الضروري في المنشأة التي تعمل فيها؟

ربما نغيّر السؤال

بدل أن نسأل فقط: «شكون يملك المركب؟»، علينا أن نسأل أيضًا: «شكون باش يطوّر المركب؟» ومن يستطيع أن يستثمر فيه؟ ومن يستطيع أن يحوله إلى مصدر قوة للنادي؟ ومن يستطيع أن يضمن صيانته وتطويره؟ وكيف يمكن تحويله من مجرد منشأة رياضية إلى مشروع متكامل يخدم الملعب التونسي وباردو والرياضة التونسية؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تكون على الطاولة. فالمطلوب ليس منح امتيازات مجانية، ولا التفريط في الملك العمومي، ولا تجاوز القانون، وإنما إيجاد حل قانوني وعملي ودائم ينهي حالة عدم الوضوح، ويمنح الملعب التونسي القدرة على التخطيط والاستثمار والعمل للمستقبل. أما أن يبقى الوضع على قاعدة «واحد يجلب وواحد يشد المحلب»، فهذه ليست طريقة لبناء كرة قدم محترفة، ولا لبناء نادٍ يريد العودة إلى مكانته الطبيعية.

الملعب التونسي لا يطلب المستحيل

هو يطلب وضوحًا واستقرارًا وحقًا في معرفة مصير بيته الرياضي. ولجنة الأحباء، من خلال وقفتها السلمية، لا ترفع فقط مطلبًا يهم «البقلاوة»، بل تفتح نقاشًا أوسع حول طريقة إدارة منشآتنا الرياضية ومستقبل أنديتنا. فإما أن نواصل إدارة الرياضة بعقلية «شكون يملك وشكون يشدّ»، وإما أن نبدأ فعلًا في بناء منظومة احترافية تسأل قبل كل شيء: كيف نطوّر؟ وكيف نستثمر؟ وكيف نضمن مستقبل أنديتنا؟ والقرار في النهاية ليس مستحيلًا… إذا توفرت الإرادة، وجلست الأطراف المعنية إلى طاولة واحدة بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فالملعب التونسي يحتاج إلى بيت مستقر، والرياضة التونسية تحتاج إلى حلول لا إلى مزيد من المتاهات الإدارية.

الدوري التونسي بين الضجيج وغياب الفكر الكروي
إقرأ كذلك
الدوري التونسي بين الضجيج وغياب الفكر الكروي
نشر يوم 2026-08-17

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد