عاجل
إعلان RTN ACADEMY
ثقافة

عرض ياسين الصالحي: بين حرية الكوميديا وفوضى الأفكار

ياسين الصالحي: عندما يضحك الجمهور ولا يضحك الفنان
ياسين الصالحي: عندما يضحك الجمهور ولا يضحك الفنان

ياسين الصالحي: عندما يضحك الجمهور ولا يضحك الفنان

عرض «ما يضحكنيش» لياسين الصالحي يفتح نقاشًا حول حدود الكوميديا، بين تشتّت المواضيع وغياب الخيط الناظم، ومفارقة عنوان العرض الذي يقول إن ما يقدمه الفنان لا يضحكه بينما يضحك الجمهور. كما يطرح العرض سؤالًا مهمًا حول مسؤولية الفنان عند تقديم معلومات تاريخية وعلمية للجمهور، وضرورة التثبت من دقتها قبل تقديمها في قالب ساخر.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 1 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
ثمّة عناوين تدخل إلى المسرح قبل أصحابها، وعناوين أخرى تجعل الجمهور يدخل إلى المسرح وهو يسأل نفسه: «ياخي شنوة باش نشوف؟». وعرض ياسين الصالحي «ما يضحكنيش» من النوع الثاني. لأن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه منذ البداية هو: إذا كان العرض ما يضحككش إنت، علاش عامل عرض كوميدي أصلاً؟ الجمهور شنوة دخلو في أذواقك؟ الجمهور جاء باش يضحك، موش باش يعمل لك جلسة علاج جماعي ويقنعك بأنك لازم تضحك على العرض متاعك!

لكن ربما عرض تحت عنوان «ما يضحكنيش» يخفي وراءه شيئاً آخر. ربما هو ليس فقط عنواناً ساخراً أو لعبة مع الجمهور، بل هو أيضاً هروب من موضوع العرض، وهروب من قصة العرض، وهروب من خطاب العرض. لأنك عندما تتفرج في العرض، تبحث عن موضوع محدد فلا تجده، تبحث عن حكاية تمسك بها فلا تجدها، تبحث عن خطاب واضح تريد من خلاله أن يقول الصالحي شيئاً، فتجد نفسك أمام سلسلة من المواضيع المتناثرة: يقفز من فكرة إلى أخرى، ومن موضوع إلى آخر، ومن التاريخ إلى العلم، ومن المعلومة إلى النكتة، ومن النكتة إلى حكاية أخرى، وكأن العرض نفسه يرفض أن يستقر في مكان واحد. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل العرض فعلاً عنده موضوع؟ أم أن الصالحي ببساطة لا يريد أن يكون عنده موضوع محدد؟ لأنه عندما تختار موضوعاً، تصبح مطالباً بأن تطوره، وأن تعمقه، وأن تبني حوله خطاباً، وأن يكون لكل ما تقوله علاقة به. أما عندما ترفض الموضوع من الأصل، يصبح بإمكانك أن تقول أي شيء، ثم تنتقل إلى شيء آخر قبل أن يسألك المتفرج: «شنوة تحب تقول بالضبط؟».

والحرية الفنية طبعاً حق، والكوميديا لا يجب أن تتحول إلى درس مدرسي له مقدمة وعرض وخاتمة. لكن ثمّة فرق بين الحرية والفوضى، وبين التنوع والتشتت. تستطيع أن تقفز من موضوع إلى موضوع، لكن يجب أن يكون هناك خيط خفي يمسك هذه القفزات. تستطيع أن تشتت الجمهور، لكن عليك في النهاية أن تمنحه سبباً لهذا التشتت. أما أن تصبح القفزة من فكرة إلى فكرة هي نفسها مضمون العرض، فهنا يصبح التشتت ليس مجرد أسلوب، وإنما يصبح غياباً للموضوع. وربما هنا بالذات يصبح «ما يضحكنيش» عنواناً ذكياً جداً، لأنه يعفي صاحبه من السؤال الأصعب: «شنوة موضوعك؟». لا يوجد موضوع واضح يمكن مساءلته، ولا خطاب محدد يمكن مناقشته، ولا قضية مركزية يمكن القول إن الفنان أخذ موقفاً منها. هناك شظايا، أفكار، معلومات، مواقف، حكايات، نكات… وكلها تمر أمامك ثم تترك مكانها لما بعدها. وكأن الرسالة هي: «أنا ما نحبش نتقيد بموضوع… وإنت حاول تلحقني».

لكن السؤال يبقى: هل يستطيع الفنان أن يبني عرضاً كاملاً من دون أن يكون له موضوع؟ نعم، يستطيع. لكن عليه عندها أن يمتلك على الأقل رؤية. لأن غياب الموضوع لا يعني بالضرورة غياب المعنى. أما إذا غاب الموضوع وغابت الرؤية وغاب الخيط الذي يجمع الأشياء، يصبح العرض مجرد مجموعة من المواد الكوميدية المتجاورة، لا عملاً له شخصية أو خطاب. وهنا نصل إلى المفارقة الثانية التي يفرضها العنوان: إذا كان «ما يضحكنيش» وإحنا ضحكنا، شكون يضحك على شكون؟ إذا كنت تعرف أن ما تقدمه يضحك الجمهور، وتقول في الوقت نفسه إنك أنت لا تضحك، فالعنوان يصبح نوعاً من المراوغة الفنية. أنت تعرف اللعبة، تعرف أين ستأتي الضحكة، تعرف كيف ستستدرج الجمهور، ثم تقول لنا إنك أنت لا تجد فيها ما يضحك. يعني في النهاية: إنت تضحك معانا… والا تضحك علينا؟

إعلان gif agro

أما إذا كنت صادقاً فعلاً، وإذا كان ما تقدمه لا يضحكك أنت، فلماذا تقدمه لنا؟ ولماذا نأتي نحن، ندفع ثمن التذكرة، ونجلس أمامك، ثم نقوم بالمهمة التي لم تستطع أنت القيام بها؟ لماذا يصبح الجمهور هو المختبر، وهو المتذوق، وهو الذي يمنح العرض شهادة الحياة، بينما صاحب العرض نفسه يقول لنا منذ البداية إنه لا يجد فيه ما يضحك؟

الجمهور جاء باش يضحك، لا باش يبحث معاك على سبب عدم ضحكك. وإذا كان الفنان لا يضحك مما يقدمه، فهذا شأنه الشخصي. أما عندما يجعل من هذه الجملة عنواناً لعرض كامل، فإنه يضع الجمهور أمام مفارقة غريبة: أنت لا تضحك، ونحن نضحك. أنت تقول إنك لا تجد فيه ما يضحك، ونحن ندفع لكي نضحك. إذن من كان يستهلك من؟ ومن كان يضحك على من؟

ثم نصل إلى منطقة أخرى أكثر حساسية: المعلومات التاريخية والعلمية التي يقوم عليها جزء من العرض. هنا لا تعود المسألة مجرد نكتة أو وجهة نظر أو مبالغة كوميدية. أنت تقدم للجمهور معلومات يفترض أنها حقائق، بعضها تاريخي وبعضها علمي، والجمهور في الغالب لا يعرفها أصلاً. هو جاء ليستمع إليك، وأنت بالنسبة إليه مصدر المعلومة في تلك اللحظة.

إعلان gif agro
المغربي ياسين كانجا يقتل كاهن بساطور في جنوب اسبانيا
إقرأ كذلك
المغربي ياسين كانجا يقتل كاهن بساطور في جنوب اسبانيا
نشر يوم 2023-01-26

وهنا بالذات تصبح مسؤولية التثبت أكبر. لأن الجمهور لا يستطيع وهو جالس في ساحة العرض أن يوقفك ويقول لك: «استنى شوية، أعطيني المرجع باش نتثبت من المعلومة». لا يستطيع أن يفتح كتاب التاريخ، ولا أن يستشير عالماً، ولا أن يبحث في المراجع العلمية وأنت واقف على الركح. هو يعطيك ثقته، وأنت تأخذ هذه الثقة معك إلى المسرح.

لذلك، عندما تقدم معلومة تاريخية أو علمية غير مألوفة، فمن حق الجمهور أن يعرف من أين أتيت بها، وما هي المراجع التي اعتمدتها، وهل هي حقيقة ثابتة أم رواية متداولة أم معلومة مختلف حولها. لأن المسرح لا يمنح المعلومة حصانة لمجرد أنها قيلت وسط الضحك. والأخطر أن المعلومة الخاطئة تصبح أحياناً أكثر قابلية للتصديق عندما تقدم في قالب ساخر. الجمهور يضحك، فيرتاح، وفي لحظة الضحك تنخفض حدة الشك. وقد تمر معلومة غير دقيقة فقط لأنها قيلت بطريقة مضحكة. وهنا يمكن أن يتحول الضحك نفسه إلى ستار يحجب السؤال الأهم: «هل هذا صحيح؟».

قد نضحك على معلومة غالطة، لا لأننا اكتشفنا أنها غالطة، بل لأننا وثقنا فيك. وهذه نقطة جوهرية: الجمهور لم يضحك على المعلومة فقط، بل ضحك وهو يعتقد أنها صحيحة. أعطاك ثقته، وأخذ المعلومة مسلّمة، وربما يخرج من القاعة وهو يحملها معه كحقيقة. وهنا تصبح الثقة مسؤولية، لا فرصة لكي تفعل وتقول ما تشاء لأن المتفرج لا يستطيع أن يتثبت في تلك اللحظة. وأسهل شيء في المسرح أن تقول ما تريد، ثم تترك الجمهور يضحك. الأصعب هو أن تقول ما تريد وتكون قادراً على الدفاع عنه بعد انتهاء الضحك. أن تقول: هذه المعلومة مصدرها كذا، وهذا المرجع هو كذا، وهذه الرواية التاريخية وقع التثبت منها، وهذا الاستنتاج العلمي له أساس. أما أن تستغل جهل الجمهور بالمعلومة، ثم تقدمها له في قالب كوميدي، فهذه ليست بالضرورة شجاعة فنية؛ قد تصبح استغلالاً للحظة التي يكون فيها المتفرج مستعداً لتصديقك. ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي الأكثر طرافة وربما الأكثر إزعاجاً: بعد أن أعطاك الجمهور ثقته، وضحك معك، وصدقك، يتحول فجأة إلى مادة إشهارية. تخرج هاتفك، وتبدأ في التقاط الصور والسيلفيات مع الجمهور، وكأن كل من اشترى تذكرة أصبح تلقائياً جزءاً من حملتك الدعائية.

إعلان gif agro

التصوير مع الجمهور شيء، واستعمال الجمهور في الإشهار شيء آخر. الفنان يستطيع أن يطلب، أن يستأذن، أن يوضح. أما أن تفترض أن وجود الشخص أمامك يعني أنه منحك الحق في استعمال صورته، فهنا يصبح السؤال بسيطاً: هل الجمهور جاء يتفرج في العرض، أم جاء باش يخدم في الحملة الإشهارية؟ وهنا تكتمل المفارقة: أنت تقول للجمهور «ما يضحكنيش»، والجمهور يضحك. تعطيه معلومات لا يعرفها، فيثق بك ويصدقها ويضحك. ثم، بعد أن يمنحك وقته وماله وثقته وضحكته، تطلب منه أن يمنحك صورته أيضاً لتستعملها في الإشهار. يعني الجمهور دفع باش يشاهدك، ضحك معاك، صدقك، وبعدها وجد نفسه يخدمك في التسويق!

المشكلة إذن ليست في أن الفنان يختار عنواناً غريباً، ولا في أن يستعمل التاريخ والعلم في الكوميديا، ولا حتى في أن يصور مع جمهوره. المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة إلى مادة قابلة للاستهلاك. الجمهور ليس ساذجاً، وليس قطيعاً من الوجوه التي تصفق كلما قيلت نكتة. الجمهور شريك، والشراكة تبدأ بالاحترام. وربما يكون عنوان «ما يضحكنيش» في النهاية أكثر صدقاً مما يبدو. لأنه فعلاً قد لا يضحك صاحبه… لكن إذا ضحكنا نحن، وصدقنا معلوماته، ومنحناه ثقتنا، ثم خرجنا ونحن نتساءل ماذا حصل بالضبط، فربما لم يعد السؤال: هل العرض يضحك؟

السؤال الحقيقي أصبح: إذا هو ما يضحكوش، وإحنا ضحكنا… وإذا هو ما عندوش موضوع واضح، وإحنا قاعدين نفتشوا على موضوع… وإذا هو يعرف المعلومة وإحنا ما نعرفوهاش… وإذا هو يستعمل ثقتنا باش تمر المعلومة، ويستعمل حضورنا باش يعمل الإشهار… شكون بالضبط كان يتفرج في شكون؟ وشكون كان يضحك على شكون؟ وفي هذه الحالة، ربما يكون «ما يضحكنيش» عنواناً ناقصاً قليلاً. العنوان الكامل الذي كان يمكن أن يختصر الحكاية كلها هو: «ما يضحكنيش… أما نعرف كيفاش نضحككم.»

حصيلة الايقافات هزيلة وبعيدة عن انتظارات الشعب
إقرأ كذلك
حصيلة الايقافات هزيلة وبعيدة عن انتظارات الشعب
نشر يوم 2021-07-30

أضف تعليق






اقرأ أيضا

مركب الهادي النيفر ملف عمره سنوات يحتاج لقرار عاجل

مركب الهادي النيفر: بين البلدية والملعب التونسي، من يملك، من يقرر؟

يبدو أن ملف مركب الهادي النيفر بباردو بلغ مرحلة لم يعد فيها الكلام وحده كافيًا، ...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي: الاستثمار في الصحة استثمار في التنمية والاستقرار

كمال الغريبي يبحث مع منظمة الصحة العالمية سبل تطوير الأنظمة الصحية في إفريقيا

التقى كمال الغريبي، نائب رئيس مجموعة سان دوناتو، ورئيس مجلس إدارة GKSD Investmen...

إقرأ المزيد
الساحر التونسي رفيق زيتوني يواصل حصد النجاحات في منصات العالم

في سريلانكا أو في توزر أوالوسلاتية رفيق زيتوني دائما يصنع الحدث

يواصل الساحر التونسي رفيق زيتوني تأكيد حضوره المتميز في عالم فن الخفة والإبهار، ...

إقرأ المزيد
كريم الغربي في مسرح الزهراء، ضحك وأسئلة موجعة

كريم الغربي في الزهراء: حين تقود الغربة إلى اكتشاف قيمة تونس

عاش جمهور مهرجان الزهراء، ليلة 13 أوت، سهرة استثنائية مع الفنان كريم الغربي ومسر...

إقرأ المزيد
مصر: أسلاك ضغط عالي فوق المنازل، استغاثة أهالي نجع الشيخ مصر: خطر الكهرباء يهدد أطفال نجع الشيخ

مصر: خطر الكهرباء يهدد أطفال نجع الشيخ

وجّه أهالي نجع الشيخ نور الدين بنجع حمادي بمحافظة قنا المصرية استغاثة عاجلة إلى ...

إقرأ المزيد
مهرجان قرطاج: ليلة الختام بنكهة الجميل

عسلامة ماجدة، قرطاج يفتح أبواب الذاكرة في ليلة الختام

ماجدة الرومي ليست اسماً يحتاج إلى تقديم، بل اسمٌ نبحث له عن كلمات ليست كالكلمات،...

إقرأ المزيد
عندما يتحول الجهاز المناعة إلى عدو

لماذا ترتفع أمراض المناعة الذاتية في هذا الوقت؟

تتزايد المخاوف من انتشار أمراض المناعة الذاتية، وهي مجموعة من الاضطرابات التي يف...

إقرأ المزيد
صادق حلواس يتحدث عن مشاريعه القادمة

حوار مع صادق حلواس: ولد الطلياني حقق نجاحًا كبيرًا

على هامش مشاركة مسرحية «ولد الطلياني»، بطولة سفيان الداهش ولبنى السديري ونوردين ...

إقرأ المزيد
نبيهة كراولي تعيد نفسها في مهرجان قرطاج

نبيهة كراولي في امتحان الركح

ذهبتُ إلى سهرة نبيهة كراولي في قرطاج، وكنتُ أنتظر تلك اللحظة التي تتصالح فيها ال...

إقرأ المزيد
مؤثرة مغربية تحت الرقابة الرقمية

المغرب: المؤثرة سكينة غلامور أمام التحقيق بتهمةمخالفة الآداب العامة

أوقفت السلطات المغربية المؤثرة الرقمية سكينة جناح، المعروفة على منصات التواصل ال...

إقرأ المزيد