وخلال آخر اجتماع وزاري، تم استعراض جملة من المشاريع الرقمية التي تم استكمالها خلال السداسي الأول من السنة، إلى جانب 114 مشروعًا ما تزال قيد الإنجاز، من بينها مشاريع ذات تأثير مباشر على الحياة اليومية للتونسيين. وتأتي هذه التوجهات في إطار رؤية تقوم على تطوير الإدارة التونسية والانتقال التدريجي من التعامل التقليدي إلى منظومة تعتمد التكنولوجيا الحديثة والخدمات عن بُعد، بما يجعل المواطن قادرًا على إنجاز عدد متزايد من معاملاته دون الحاجة إلى التنقل بين الإدارات والانتظار في الطوابير.
خدمات تمس الحياة اليومية للمواطن
ومن أبرز المشاريع الجاري تطويرها، توفير إمكانية طلب الحصول على شهادة الإقامة عن بُعد، إلى جانب تجديد رخصة السياقة عن بُعد، والعمل على إتاحة تجديد بطاقة التعريف الوطنية وجواز السفر عن بُعد. كما تشمل المشاريع تطوير خدمات خلاص الأداءات البلدية إلكترونيًا، بما يفتح المجال أمام تعميم الدفع الرقمي وتقليص الاعتماد على الإجراءات الورقية والنقدية في عدد من المعاملات الإدارية. ويُنظر إلى هذه الخدمات باعتبارها من أكثر مشاريع الرقمنة ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن، خاصة أنها تستهدف إجراءات كانت تتطلب في السابق التنقل إلى الإدارات المعنية وانتظار استكمال مراحل متعددة.
أكثر من 40 خدمة عبر تطبيق «خدمات»
ومن المنتظر، وفق ما تم الإعلان عنه، إطلاق تطبيق الهاتف الجوال «خدمات» خلال الأيام المقبلة، ليكون بوابة موحدة للنفاذ إلى أكثر من 40 خدمة إدارية باستعمال الهوية الرقمية. وسيتيح التطبيق، إلى جانب النفاذ إلى الخدمات، إمكانية القيام بعمليات الخلاص الإلكتروني بواسطة البطاقات البنكية والبريدية والمحافظ الإلكترونية، وهو ما من شأنه أن يعزز انتشار الدفع الرقمي ويقلص الحاجة إلى التعاملات النقدية. ويُعد إطلاق منصة موحدة بهذا الحجم خطوة مهمة في مسار بناء إدارة أكثر قربًا من المواطن، خصوصًا إذا تم ضمان سهولة استعمالها، واستقرارها التقني، وحماية المعطيات الشخصية للمستخدمين.
من الإدارة الورقية إلى الإدارة الرقمية
وتتجاوز مشاريع الرقمنة مجرد توفير خدمات إلكترونية، إذ تشمل أيضًا بناء قواعد بيانات وطنية ومنظومات معلومات مترابطة. ومن بين المشاريع التي يجري العمل عليها السجل الوطني للمعرّف الصحي، والسجل الوطني للشهائد الجامعية، إلى جانب تطوير منظومة «إيفاكس» لتشمل مختلف أنواع التلاقيح. كما تتضمن المشاريع الدفع الإلكتروني عبر «تونيبس»، فضلًا عن مشاريع مرتبطة بتطوير البنية التحتية للاتصالات وتعميم الألياف البصرية والمحافظ الإلكترونية.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة لأنها تمثل الجانب غير المرئي من عملية التحول الرقمي؛ فنجاح الخدمات الإلكترونية لا يرتبط بالتطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى بنية اتصالات قوية، وقواعد بيانات دقيقة، وربط فعّال بين مختلف المؤسسات والهياكل العمومية.
هل تنهي الرقمنة معاناة المواطن مع الإدارة؟
لطالما ارتبطت علاقة التونسي بالإدارة بكثرة الوثائق والإجراءات وتعدد التنقلات وطول آجال الانتظار، وهي ممارسات رسخت على مدى عقود صورة الإدارة الثقيلة والبطيئة. ومن هنا تأتي أهمية التحول الرقمي، ليس باعتباره مجرد تحديث تقني، وإنما باعتباره إعادة صياغة لطريقة تقديم الخدمة العمومية. فكل خدمة يمكن إنجازها عن بُعد تعني طابورًا أقل، وورقة أقل، وتنقلًا أقل، ووقتًا أوفر للمواطن والموظف على حد سواء. كما يمكن للرقمنة، إذا رافقها إصلاح حقيقي للإجراءات، أن تقلص المساحات التي تسمح بالتدخلات الشخصية والوساطة والمحسوبية، وتدعم مبدأ المساواة في النفاذ إلى الخدمة العمومية. لكن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بمدى جدية التطبيق، وبقدرة الإدارة على تغيير العقليات وليس فقط تغيير الأدوات.
المواطن أمام مكسب جديد.. والإدارة أمام اختبار حقيقي
ويستبشر العديد من التونسيين بهذه الخطوات، باعتبارها توجهًا يمكن أن يضع البلاد على طريق إدارة أكثر عصرية وشفافية، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لخدمة المواطن وليس مجرد شعار. غير أن الانتقال إلى الإدارة الرقمية يتطلب أيضًا تكوين الموظفين، وتبسيط الإجراءات قبل رقمنتها، وتوفير الدعم للأشخاص الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية في استعمال التكنولوجيا، مع ضمان أمن المنظومات وحماية البيانات الشخصية. فالرقمنة الحقيقية لا تعني نقل التعقيد الإداري من الورق إلى شاشة الهاتف، وإنما تعني إلغاء التعقيد من أساسه وتقديم خدمة أسرع وأوضح وأكثر شفافية. ومع استكمال المشاريع المعلنة وإطلاق تطبيق «خدمات»، ستكون تونس أمام اختبار مهم: هل تستطيع تحويل هذه المشاريع إلى واقع يومي يلمسه المواطن في الإدارة والبلدية ومراكز الخدمات؟
إذا تحقق ذلك، فإن الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية لن يكون مجرد تطور تقني، بل سيكون تحولًا في علاقة المواطن بالدولة، عنوانه السرعة والشفافية والنجاعة وصون كرامة المواطن.

