ثمّة فنانات ننتظرهنّ لأنهنّ سيغنّين، وثمّة فنانات ننتظرهنّ لأن حضورهنّ في حدّ ذاته حدث. وأمينة فاخت من النوع الثاني. لا ننتظرها في قرطاج كفنانة ستصعد إلى الركح فقط، بل كصاحبة بيت تعود بعد غياب طويل لتتفقد المكان، وتكتشف هل مازال الركح يعرف خطواتها، وهل مازال الجمهور يحتفظ بنفس اللهفة التي تركتها خلفها سنة 2018. أمينة فاخت، ابنة باردو، المولودة في 12 ماي 1968، لم تدخل عالم الغناء لتكون نسخة من أحد. اختارت لنفسها شاطئًا خاصًا في بحر الأغنية، وغاصت فيه بطريقتها، بصوتها، بحركاتها، وبذلك الدلال المسرحي الذي أصبح جزءًا من شخصيتها الفنية. وقد وصفها الموسيقار الراحل محمد التريكي بأنها «لؤلؤة»، واللؤلؤة لا يمكن أن تكون نسخة من شيء آخر، وإلا فقدت قيمتها. ولأن أمينة ليست فنانة تجلس داخل الأغنية وتتركها تغني وحدها، فقد أثارت دائمًا بعض الانتقادات حول تصرفاتها ودلالها وحركتها فوق الركح. لكن ربما ننسى أحيانًا أن المسرح ليس قاعة امتحان في السلوك، وأن الفنان لا يصعد إلى الركح ليقف مستقيمًا مثل تمثال شمعي. أمينة تتحرك لأن صوتها يتحرك، وترقص لأن اللحن يدفعها إلى الرقص، وتترك جسدها يدخل في الحوار مع الموسيقى، فيصبح الأداء عندها حالة كاملة لا مجرد غناء. ولهذا يمكن أن نختلف مع أمينة، ويمكن أن ننتقدها، ويمكن حتى أن نقول لها: «خفّي علينا شوية»… لكن من الصعب أن ننكر أن لها شخصية لا تشبه غيرها. وهذه، في الفن، ليست تهمة وإنما امتياز. وها هي اليوم تعود إلى قرطاج بعد ثماني سنوات من الغياب. ثماني سنوات ليست قليلة في عمر المسرح، ولا في عمر الجمهور، ولا في عمر الأغنية. خلال هذه السنوات تغيّرت أشياء كثيرة، تبدّلت الأذواق، ظهرت أسماء جديدة، واختفت أخرى، وأصبح الفنان يحتاج أحيانًا إلى خبير في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما يحتاج إلى عازف كمنجة. لكن أمينة بقيت أمينة، وكأن الزمن مرّ من أمامها وترك لها الركح وحده.
وفي سياق الحديث عن حرمانها من لقاء جمهورها في صفاقس، عبّرت أمينة فاخت عن أسفها، مؤكدة أن الأمر يخرج عن نطاقها. وربما زاد ذلك من إحساس الجمهور بأن لقاء قرطاج ليس مجرد موعد في روزنامة مهرجان، وإنما موعد طال انتظاره. حتى عدنان الشواشي دخل على الخط، وفاجأ أمينة أثناء التحضيرات، ولم يتركها تمرّ بسلام. رسالة الفنان كانت واضحة وطريفة: أن تغيّر قليلًا، وأن تقنع المستمعين أكثر من المتفرجين. والجملة تصلح لأن تكون عنوانًا لنقاش طويل حول الفن اليوم: هل الفنان يغني لمن يسمع، أم لمن يصور بهاتفه؟ وهل الجمهور جاء ليستمع أم جاء ليصوّر نفسه وهو يستمع؟
أمينة ربما لا تحتاج إلى إجابة عن هذا السؤال.
فهي من الفنانات اللواتي لا يحتجن إلى مونتاج كي يصبحن أكثر حضورًا. بالعكس، حضورها الحقيقي يبدأ عندما تسقط كل الحسابات، وتبقى هي والأغنية والجمهور والركح. هناك تصبح التلقائية جزءًا من العرض، ويصبح الخطأ المحتمل أحيانًا أجمل من الكمال المصطنع.
رفقًا أمينة بقرطاج، فالركح يعرفك أكثر مما نعرفك نحن. لا تحتاجين إلى كثير من الإشهار، فأنت «بنت الدار»، والدار لا تحتاج إلى من يعرّفها بأهلها. يكفي أن تصعدي، ويكفي أن يبدأ اللحن، وبعدها سيتكفل الجمهور بالباقي. قد تبدأ الحكاية بـ«طير الحمام مجروح»، فنكتشف أن الحمام لم يكن مجروحًا وحده. ثم تأتي «على الجبين عصابة»، فينسى الجمهور مقاعده، ويكتشف أن الجلوس في قرطاج كان مجرد إجراء إداري مؤقت قبل أن تبدأ الحركة. تلك هي قوة أمينة: أن تجعل الأغنية تنتقل من الأذن إلى الجسد، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الرغبة في المشاركة.
أما أغنيتها الجديدة «تشبه السكر»، فربما تختصر شيئًا من فلسفة أمينة نفسها. فهي لا تريد أن تكون سكرًا يذوب في القهوة الفنية الموجودة، بل تريد أن يكون لها مذاقها الخاص. قد تعجبك، قد تختلف معها، لكن من الصعب أن تتذوقها ولا تعرف أنها أمينة. كل أغنية تغنيها أمينة فاخت لا تقدمها كما وجدتها، وإنما تلبسها ثوبًا جديدًا. لذلك لا تكون الأغنية عندها مجرد لحن وكلمات، بل لوحة لها إخراجها وحركتها وإضاءتها ومزاجها. وكأن أمينة لا تغني الأغنية بقدر ما تدخل إليها، ثم تخرج منها وهي تحمل شيئًا منها وتحمل الأغنية شيئًا منها. لهذا سيكون 17 أوت 2026 أكثر من تاريخ في برنامج مهرجان قرطاج. سيكون موعدًا بين فنانة وركح يعرفان بعضهما جيدًا، وبين جمهور لم يتوقف عن الانتظار، وذاكرة لم تتوقف عن استدعاء تلك الليالي القديمة.
فهل سيكون التاريخ مميزًا؟ ربما. وهل سيكون مميزًا جدًا؟ هذا ما نتركه لأمينة فاخت ولقرطاج وللجمهور.
لكن شيئًا واحدًا يبدو مؤكدًا: عندما تعود أمينة إلى قرطاج، لا تصعد وحدها إلى الركح. تصعد معها سنوات من الذاكرة، وأغنيات من الحنين، وجمهور مشتاق، وشيء من تلك الفوضى الجميلة التي اسمها أمينة فاخت.
في الندوة الصحفية اكدت انها ستقدم مفاجاة ابنتها الكوليغراف والتي اخرجت العرض بلمساتها الفنية في مجال تاثيث الركح وقد كان هذا حلمي من البداية ...كذلك صرحت امينة انها ستقدم ثلاث أغاني جديدة ليبية وسيكون لها شان في الساحة الموسيقية العربية وربما لهذا تحديدًا… رفقًا أمينة بقرطاج.

