بعد غياب ثماني سنوات، تعود صاحبة الصوت الذي لا يدخل إلى الأذن فقط، بل يتسلّل إلى الذاكرة، وكأنها لا تأتي لتغني لنا، وإنما تأتي لتفتّش في خزائن العمر عن أغنية تركناها هناك منذ زمن. قرطاج هذا الصيف يبدو وكأنه قرر أن يلعب لعبة الذاكرة معنا: استقبل الشاب خالد بعد عشر سنوات من الغياب، فاستقبله الجمهور وكأن السنوات العشر لم تكن سوى استراحة قصيرة بين أغنيتين؛ ثم فتح ركحه لميادة الحناوي، أيقونة الزمن الجميل، فكان التكريم لتونس وللفنانة ولجمهور مازال يبحث، وسط ضجيج العصر، عن ذلك الشيء الغريب الذي كان اسمه ذات يوم الفن. والآن تأتي ماجدة الرومي، بعد ثماني سنوات، لتكتمل دائرة الحنين. يبدو أن قرطاج هذه السنة لم يعد يبرمج السهرات فقط، بل صار يبرمج مواعيد مع الذاكرة. وربما يكون السؤال الحقيقي: هل نحن الذين اشتقنا إلى هؤلاء الفنانين، أم أن الفن نفسه اشتاق إلى جمهوره؟
ماجدة الرومي، المولودة سنة 1956 في كفرشيما، ابنة الموسيقار حليم الرومي، تحمل في صوتها حكاية عائلة وبلاد وذاكرة عربية تتجاوز الجغرافيا. والدها اللبناني ذو الجذور المرتبطة بمدينة صور وبفلسطين، ووالدتها ذات جذور مصرية، وكأن التاريخ قرر منذ البداية أن يضع في صوتها أكثر من وطن وأكثر من ذاكرة. وفي 24 جويلية 2026، كانت قد عادت إلى المسرح الجنوبي في جرش بعد غياب خمسة أعوام، فافتتحت أولى أمسيات الدورة الأربعين للمهرجان، في ليلة أعادت للجمهور دفء صوتها وحضورها، وكأن السنوات لم تكن قادرة على إطفاء ذلك الضوء القديم.
لكن ماذا ننتظر من ماجدة في قرطاج؟ ننتظر أكثر من أغنية وأكثر من سهرة. ننتظر مساءً ورديّ الشرفات، وننتظر أن تتوقف الهواتف للحظات عن تصوير كل شيء، وأن يتذكر الناس أن هناك فرقاً بين أن تسمع أغنية وأن تعيش أغنية. ننتظر صوتاً يغوص في القصائد، ويخرج منها محمّلاً بشذى زمن لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة. ننتظر أن يغنّي الجمهور قبل أن تغنّي ماجدة، وأن تكتشف هي، ربما، أن تونس لم تنسَها طوال ثماني سنوات.
أما العنوان الحقيقي لهذه السهرة، فلن يكون بالضرورة ما ستكتبه الصحف في اليوم التالي. ربما يكون العنوان الأجمل هو ذلك الذي سيكتبه كل متفرج في ذاكرته. ماجدة الرومي في قرطاج ليست مجرد سهرة اختتام؛ إنها محاولة أخرى لاستعادة شيء من زمن ضاع بين «الترند» و«الريلز» و«الستوري»، زمن كانت فيه الأغنية تحتاج إلى شاعر وملحن ومطرب وجمهور… لا إلى خوارزمية.
فهل تحمل ماجدة معها الجريدة بعناوين جديدة؟ ربما. لكن الأكيد أن قرطاج سيحمل لها عنواناً قديماً لا يحتاج إلى تحديث: عسلامة ماجدة… عسلامة في تونس، عسلامة في قرطاج.
وفي زمنٍ أصبح فيه كل شيء سريعاً، ربما تأتي ماجدة لتذكرنا بأن بعض الأشياء الجميلة لا ينبغي أن تكون سريعة أبداً… فالأغنية الجميلة تحتاج إلى وقت، والحنين يحتاج إلى وقت، وحتى المجد… يحتاج إلى ذاكرة.

