في ظاهر الأمر، هو اجتماع إداري ومؤسساتي يبحث في الاتفاقيات والتنظيم والبرمجة والاستعداد لموعد عربي إعلامي مهم. لكن في عمق المشهد، هناك سؤال أكبر بكثير من مجرد تجديد اتفاقية أو التحضير لدورة جديدة من مهرجان: ماذا بقي من فكرة الإعلام العربي المشترك في زمن لم تعد فيه الشاشة وحدها هي الشاشة، ولا الإذاعة وحدها هي الإذاعة، ولا الجمهور ينتظر نشرة الأخبار في السابعة مساء حتى يعرف ماذا يحدث في العالم؟
اتحاد إذاعات الدول العربية ليس مجرد هيكل يجمع مؤسسات إعلامية عربية تحت مظلة واحدة، والمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون ليس مجرد موعد سنوي تتزين فيه الشاشات بالجوائز وتلتقي الوفود وتُلتقط الصور التذكارية. الفكرة، في أصلها، أكبر من ذلك بكثير. إنها محاولة قديمة لأن يكون للعرب فضاء إعلامي مشترك، وأن تتحول المنافسة بين المؤسسات إلى تعاون، وأن يصبح الإعلام جسراً بين الشعوب لا مجرد مرآة تعكس انقساماتها.
لكن المفارقة الساخرة أن العالم الإعلامي تغيّر بسرعة مذهلة، بينما ما تزال بعض مؤسساتنا تتعامل مع الإعلام وكأنه يعيش في زمن الاستوديو الكبير والميكروفون الرسمي والبرنامج الذي يبدأ في الثامنة وينتهي في التاسعة. العالم دخل عصر الهاتف، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الفردي، والخوارزميات التي تستطيع في ثوانٍ أن تصنع نجماً أو تسقط مؤسسة إعلامية من الواجهة... ونحن ما زلنا أحياناً نناقش الإعلام وكأن أكبر تحدٍّ أمامه هو عدد الكاميرات الموجودة في الاستوديو!
وهنا تصبح الدورة السادسة والعشرون للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون فرصة حقيقية، لا للاحتفال بالماضي فقط، بل لطرح سؤال المستقبل. هل يستطيع المهرجان أن يتحول من فضاء لعرض الإنتاجات وتوزيع الجوائز إلى مختبر عربي لمستقبل الإعلام؟ هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الرقمي، والبودكاست، والإعلام عبر الهاتف، والتحقق من الأخبار، ومحاربة التضليل، وتكوين الصحفيين الشباب، في قلب النقاش العربي الإعلامي؟
المشكلة ليست في نقص المهرجانات في عالمنا العربي، فنحن بارعون في افتتاحها واختتامها وتوزيع شهادات الشكر والتقاط الصور الجماعية.
المشكلة أن العالم لا ينتظرنا حتى ننتهي من مراسم الافتتاح. التكنولوجيا تركض، والجمهور يغيّر عاداته، والشباب يصنعون إعلامهم بأنفسهم، والمنصات العالمية أصبحت قادرة على الوصول إلى المواطن العربي قبل أن تصل إليه مؤسسته الوطنية.
ومن هنا، فإن تجديد الشراكة بين وزارة الشؤون الثقافية التونسية واتحاد إذاعات الدول العربية يمكن أن يكون أكثر من إجراء بروتوكولي. يمكن أن يكون بداية لإعادة التفكير في وظيفة المهرجان نفسه، وفي معنى التعاون الإعلامي العربي في القرن الحادي والعشرين. تونس، بما لها من تاريخ في الإعلام والثقافة والإذاعة والتلفزيون، تستطيع أن تجعل من هذا الموعد مساحة للحوار حول مستقبل الإعلام العربي، لا مجرد مناسبة للاحتفال بإنتاجاته السابقة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به اجتماع في وزارة الثقافة ليس فقط اتفاقية جديدة تحمل توقيعات جديدة، وإنما فكرة جديدة أيضاً. فالاتفاقيات التي لا تنتج أفكاراً تصبح أوراقاً في الملفات، والمهرجانات التي لا تترك أثراً في المستقبل تتحول إلى مواعيد في الروزنامة، والمؤسسات التي لا تتطور مع جمهورها تتحول، مهما كان تاريخها عظيماً، إلى متاحف جميلة للتكنولوجيا القديمة.
الإعلام العربي يحتاج اليوم إلى اتحاد في الأفكار قبل اتحاد في الهياكل، وإلى شراكة في المستقبل قبل الشراكة في التنظيم. يحتاج إلى أن يتحدث مع الجيل الجديد بلغته، وأن يدخل إلى الهاتف كما دخل بالأمس إلى البيت، وأن يتعلم كيف ينافس في فضاء أصبحت فيه دقيقة واحدة كافية لصناعة قصة، أو إشاعة، أو نجومية كاملة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في دورته السادسة والعشرين مجرد احتفال جديد بالإعلام العربي، أم سيكون مناسبة لكي يسأل الإعلام العربي نفسه، بصدق وشجاعة: أين نحن من إعلام المستقبل؟ ففي زمن أصبحت فيه الخوارزمية تنافس المذيع، والهاتف ينافس الاستوديو، والمواطن ينافس الصحفي في صناعة المحتوى، لم يعد كافياً أن نحتفل بما صنعناه بالأمس... علينا أن نعرف ماذا سنصنع غداً.