وخلال جولة ميدانية يوم الأربعاء الفارط في منطقة المنيهلة، لوحظ هذا المستوى من الأسعار، لكن المفارقة ظهرت بوضوح في السوق الأسبوعية الشعبية بقرية أوتيك، حيث لم يتجاوز سعر كيلوغرام العنب الأخضر والأحمر 7 دنانير. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن أن يصل الفارق في السعر إلى هذا المستوى بين سوق وآخر وفي اليوم نفسه؟
هل هناك أسباب غير معلنة؟
بعض المتعاملين في السوق أشاروا إلى أن كميات من العنب المعروض في بعض الأسواق قد تكون موردة من الجزائر، بينما تتحدث معطيات أخرى متداولة عن توجه جزء من الغلال التونسية إلى أسواق خارجية، من بينها ليبيا وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى أسواق جديدة في شرق آسيا، ومنها الهند. لكن هذه المعطيات تحتاج إلى توضيح رسمي ودقيق، لأن المستهلك من حقه أن يعرف حقيقة الوضع: كم تبلغ صابة العنب هذا الموسم؟ وهل تغطي حاجيات السوق المحلية؟ وما حجم الكميات التي يتم تصديرها؟ وما تأثير التصدير على الأسعار الداخلية؟
أين دور المصالح المختصة؟
هذه الأسئلة تضع المصالح المختصة بوزارة الفلاحة والهياكل الرقابية أمام مسؤولية تقديم المعطيات اللازمة للرأي العام. فالمطلوب ليس فقط الإعلان عن أرقام الإنتاج، وإنما شرح تطورات السوق ومسالك التوزيع، ومعرفة ما إذا كان ارتفاع الأسعار يعود إلى نقص فعلي في الإنتاج، أو ارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، أو تعدد الوسطاء، أو وجود ممارسات احتكارية ومضاربات. كما أن الحديث عن إمكانية تخزين كميات كبيرة من الغلال في غرف التبريد بهدف طرحها لاحقًا بأسعار أعلى، إن وُجد، يستوجب التثبت والرقابة، لأن السوق لا يمكن أن تترك رهينة الإشاعات أو الممارسات التي تضر بالمستهلك والمنتج في آن واحد.
لماذا يختلف السعر بهذا الشكل؟
الفارق بين 8 و10 دنانير في بعض نقاط البيع، ونحو 7 دنانير في سوق أخرى، يطرح سؤالًا آخر يتعلق بمسالك التوزيع. فهل يصل العنب إلى المستهلك عبر عدد كبير من الوسطاء؟ وكم تبلغ كلفة الإنتاج والنقل والتخزين؟ وما هامش الربح في كل مرحلة؟ وهل توجد فروقات حقيقية في الجودة تبرر الفارق السعري، أم أن الأمر يتعلق بالمضاربة وتفاوت هوامش الربح؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تساعد على فهم حقيقة الأسعار، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين المنتج والتاجر والمستهلك.
عندما تنخفض أسعار الغلال يستفيد المستهلك
في المقابل، تكشف أسعار بعض الغلال الأخرى أن السوق قادرة على تقديم أسعار أكثر ملاءمة عندما تتوفر الكميات.
ففي السوق الأسبوعية بأوتيك، انخفض سعر الدلاع إلى حدود 600 مليم للكيلوغرام، بعد أن كان في حدود دينار، بينما تراجع سعر البطيخ من نوعية جيدة، كان يباع لدى بعض التجار بين دينارين وثلاثة دنانير، إلى نحو 1.5 دينار للكيلوغرام. وهذه الأرقام تؤكد أن وفرة الإنتاج وتراجع المضاربة يمكن أن ينعكسا مباشرة على المستهلك.
الهندي.. الحذر مطلوب بعد الأمطار
أما بالنسبة إلى التين الشوكي، أو ما يعرف في تونس بـ«الهندي»، فقد عبّر عدد من المواطنين عن تخوفهم من استهلاكه خلال الفترة الحالية، خصوصًا بعد نزول الأمطار. ومع تداول تحذيرات من اقتنائه أو استهلاكه بعد الأمطار، يبقى من الضروري أن تتدخل الجهات المختصة لتقديم معلومة صحية رسمية وواضحة للمستهلك، بدل ترك المجال للشائعات والنصائح المتداولة بين المواطنين. فإذا كان هناك خطر صحي مرتبط بمرحلة معينة من جني أو تخزين أو بيع التين الشوكي، فمن واجب الجهات المختصة توضيح الأمر، وتحديد شروط السلامة التي يجب احترامها.
المستهلك يريد المعلومة قبل كل شيء
لا يطالب المواطن بأكثر من حقه في معرفة ما يحدث في السوق بل يريد أن يعرف حقيقة صابة العنب، وحجم الإنتاج، والكميات الموجهة للتصدير، ومسالك التوزيع، وأسباب تفاوت الأسعار، ودور الوسطاء، ومدى وجود عمليات تخزين أو مضاربة. كما يريد أن تطلع الجهات الرسمية المستهلك على الأسعار المرجعية ومسالك التزويد، وأن تتدخل عندما تظهر ممارسات تضر بالتوازن الطبيعي للسوق. فالمصالح المختصة في وزارة الفلاحة وغيرها من الهياكل الرقابية والإرشادية مطالبة بمواكبة ما يحدث في الأسواق، لدى تجار الجملة والتفصيل، ومتابعة مسالك بيع الغلال الموسمية، وحماية المستهلك والمنتج على حد سواء.
الإرشاد والرقابة وتوفير المعلومة ليست منّة على المواطن، وإنما هي جزء من مسؤولية الدولة تجاه المستهلك والسوق والفلاح. والأهم أن ينعم التونسي بخيرات أرضه، وأن تكون الغلال الموسمية في متناول الطبقات الضعيفة والمتوسطة، لا أن تتحول إلى منتجات مرتفعة الثمن رغم إنتاجها محليًا. ويبقى السؤال مفتوحًا: من يفسر للمستهلك حقيقة أسعار العنب؟ وأين يذهب الفارق بين سعره من سوق إلى أخرى؟
