من الضروري هنا التمييز بين الاحتجاج السلمي، وهو حق مكفول في إطار القانون، وبين كل ممارسة تتحول إلى اعتداء على الممتلكات أو تعطيل لحركة المواطنين أو قطع للطرقات أو منع الخدمات الأساسية عن السكان. فالغضب الاجتماعي مفهوم، والمطالبة بالماء والكهرباء والمواد الغذائية حق مشروع، لكن تحويل معاناة الناس إلى وسيلة للضغط أو الفوضى لا يخدم المواطن ولا البلاد.
كما أن الحديث عن وجود شبكات أو لوبيات تسعى إلى تعطيش التونسيين أو تجويعهم أو التحكم في المواد الأساسية يحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة، لأن الاتهامات الخطيرة لا يمكن أن تقوم على الانطباعات أو الشائعات. وفي المقابل، فإن أي شبهات تتعلق بالاحتكار أو المضاربة أو التخزين غير القانوني أو تعطيل التزويد يجب أن تكون محل تحقيق جدي وسريع، وأن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته تبعات أفعاله أمام القانون، مهما كان موقعه أو نفوذه. المسؤولية لا تقع على المواطن وحده. فالدولة مطالبة بالتحرك الميداني السريع عندما تنقطع المياه أو الكهرباء، أو عندما تشهد الأسواق اضطراباً في التزويد. كما أن المسؤولين المحليين والجهويين مطالبون بمتابعة الوضع على الأرض، والتدخل قبل أن تتحول المشاكل المحدودة إلى أزمات اجتماعية واسعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رقابة مواطنية منظمة وفعالة. المواطن الذي يلاحظ احتكاراً أو تلاعباً بالأسعار أو انقطاعاً غير مبرر في التزويد أو تجاوزاً للقانون يجب أن يجد قنوات واضحة ومجانية وسريعة للإبلاغ، مع ضمان التعامل الجدي مع البلاغات والتحقق منها.
ويمكن أن تكون الخطوط الخضراء والمنصات الرقمية آلية ناجعة لجمع المعلومات ومساعدة أجهزة الرقابة على الوصول إلى مكامن الخلل. أما الخلاف السياسي، فيجب أن يبقى داخل المؤسسات وفي إطار القانون. لا يمكن بناء تونس الحديثة بمنطق التخوين المتبادل، ولا بمنطق تحويل كل احتجاج إلى مؤامرة، كما لا يمكن في المقابل تبرير الفوضى والاعتداء على حقوق بقية المواطنين تحت عنوان المعارضة أو حرية التعبير.
تونس تحتاج اليوم إلى التهدئة والعمل والمراقبة والمحاسبة. تحتاج إلى دولة حاضرة في الأحياء والجهات، وإلى مسؤولين يتحملون مسؤولياتهم، وإلى مواطنين يمارسون حقهم في الرقابة دون إشاعات أو اتهامات مجانية، وإلى إعلام يحقق ويتثبت قبل أن يحكم. السؤال الحقيقي ليس فقط: من يريد تعطيش وتجويع الشعب التونسي؟ بل أيضاً: من يقصر في منع ذلك؟ ومن يستفيد من الفوضى؟ ومن يملك المعلومات ولا يتحرك في الوقت المناسب؟
الإجابة لا تكون بالشعارات، وإنما بالتحقيق والبيانات والشفافية وتطبيق القانون. فكل من يثبت تورطه في الإضرار بقوت التونسيين أو أمنهم المائي أو الكهربائي أو الاقتصادي يجب أن يخضع للمساءلة، وفي المقابل يجب حماية حق المواطنين في الاحتجاج والتعبير ضمن القانون.
ويبقى القانون هو الفيصل بين الجميع، وتبقى حماية كرامة المواطن وسيادة الدولة واستقرار المجتمع مسؤولية مشتركة. تونس قادرة على تجاوز الأزمات، شرط أن تتحول المعاناة إلى دافع للإصلاح، لا إلى وقود للصراع والفوضى.
