وبحسب تقرير إعلامي، تمتلك تونس احتياطيًا من الفوسفات يقدّر بنحو 2،5 مليار طن متري، وتُقدّر قيمته وفق الأسعار الحالية بأكثر من 400 مليار دولار، من دون احتساب تكاليف الاستخراج والمعالجة. ولا تقتصر الثروة التونسية على الفوسفات، إذ تضم البلاد نحو 120 مليون شجرة زيتون، ما جعلها، وفق التقرير، في المرتبة الثانية عالميًا في إنتاج زيت الزيتون، متقدمة على إيطاليا، مع إيرادات تجاوزت 1.5 مليار دولار. كما تساهم السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج بنحو 3.5 مليارات دولار إضافية. وفي قطاع الطاقة، يشير التقرير إلى إطلاق تونس وليبيا جولة عطاءات للتنقيب عن النفط والغاز في حوض قابس–طرابلس، مع موارد محتملة تقدر بأكثر من 1.6 مليار برميل من النفط ونحو 3،1 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. لكن هذه الأرقام الكبيرة لا تبدو، وفق التقرير، كافية لتغيير واقع الاقتصاد التونسي. فقد بلغ النمو خلال الربع الثاني 2،5% فقط، بينما تجاوز الدين العام 48 مليار دولار، في مؤشر على استمرار الضغوط التي تواجه المالية والاقتصاد الوطني.
الثروة موجودة... لكن أين القيمة المضافة؟
المفارقة الأكبر التي يطرحها التقرير لا تتعلق فقط بحجم الموارد، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى إنتاج وثروة وفرص عمل. فوجود احتياطات ضخمة من الفوسفات أو إمكانات واعدة في مجال الطاقة لا يعني تلقائيًا تحقيق عائدات كبيرة، إذ تبقى القيمة الاقتصادية مرتبطة بقدرة البلاد على الاستخراج والتصنيع والتصدير وتحسين الإنتاجية. ويبرز زيت الزيتون مثالًا على أهمية تطوير القيمة المضافة، فالإيرادات المرتفعة لهذا القطاع يمكن أن تكون قاعدة لتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، بدل الاقتصار على تصدير المواد الأولية.
نزيف الكفاءات... الخسارة الأكثر كلفة
إلى جانب الأرقام المتعلقة بالثروات، يسلط التقرير الضوء على ملف أكثر حساسية، وهو هجرة الكفاءات التونسية.
فوفق المعطيات الواردة فيه، غادر تونس منذ عام 2021 نحو 45 ألف طبيب ومهندس، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد التونسي على الاحتفاظ بالموارد البشرية التي يحتاجها لتحقيق التنمية. وهكذا تبدو المفارقة واضحة: بلد يمتلك موارد طبيعية وإمكانات في الزراعة والسياحة والطاقة، لكنه في الوقت نفسه يخسر جزءًا من رأسماله البشري الأكثر تأهيلًا.
معادلة تحتاج إلى مراجعة
تُظهر الأرقام التي أوردها التقرير أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بغياب الثروات بقدر ارتباطها بكيفية استغلالها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة. فالثروة الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاحتياطي الموجود تحت الأرض أو بعدد أشجار الزيتون، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل وصادرات وقيمة مضافة، مع توفير الظروف التي تدفع الكفاءات إلى البقاء والمساهمة في بناء الاقتصاد الوطني. وبين ثروات طبيعية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وإمكانات في الطاقة والزراعة والسياحة، وبين نمو اقتصادي محدود وهجرة للكفاءات، تطرح تونس أمام نفسها سؤالًا أكبر من مجرد حجم مواردها: كيف تتحول الثروة الكامنة إلى قوة اقتصادية حقيقية يشعر بها المواطن؟
