ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على الرقابة أو التشكيك في استحقاقات العاملين، وإنما بطرح سؤال بسيط ومشروع: هل تُنفق أموال مراكز الشباب في حدود الضرورة، أم أن هناك نفقات يمكن ترشيدها من دون التأثير على سلامة الإجراءات؟
أرقام تطرح أسئلة مشروعة
بحسب ما يتم تداوله في بعض مراكز الشباب، يصل عدد العاملين المشاركين في الإشراف على الجمعية العمومية الواحدة إلى نحو 6 أو 8 أفراد من العاملين بمديريات الشباب والرياضة، يحصل كل منهم على قرابة 650 جنيهًا.
كما يشارك في الإشراف، وفق هذه المعطيات، لجنة عليا تضم 6 أفراد، يحصل رئيسها على نحو 1000 جنيه، فيما يحصل كل عضو على قرابة 850 جنيهًا. وإذا صحت هذه الأرقام، فإنها تفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات رسمية:
هل هذا العدد من المشرفين ضروري فعلًا؟ وهل يتناسب مع عدد أعضاء الجمعية العمومية وطبيعة المهام المطلوبة؟ وهل تتناسب قيمة المكافآت مع الإمكانات المالية لمراكز الشباب؟ ومن يتحمل هذه النفقات تحديدًا؟ هذه الأسئلة لا تتضمن اتهامًا لأحد، لكنها تصبح مشروعة عندما يتعلق الأمر بأموال يفترض أن توجه في الأساس لخدمة الشباب وتطوير الأنشطة والمنشآت.
مركز الشباب يبحث عن كل جنيه
تزداد أهمية الموضوع عند النظر إلى الواقع المالي لبعض مراكز الشباب المصرية، التي تعاني محدودية الموارد وتحتاج إلى تمويل أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية، إلى جانب صيانة الملاعب والمنشآت وشراء المعدات والمستلزمات الأساسية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح كل بند من بنود الإنفاق محل أهمية. فإذا كان بالإمكان إنجاز المهمة الرقابية ذاتها بعدد أقل من المكلفين وبتكلفة أقل، فلماذا لا تتم مراجعة الآلية المعتمدة؟ المطلوب هنا ليس إلغاء الرقابة، وإنما البحث عن الحد الأدنى الكافي والفعال من الإشراف.
ماذا تغير عن العام الماضي؟
من النقاط التي تستحق المقارنة أيضًا ما يثار بشأن إدارة بعض الجمعيات العمومية خلال العام الماضي بعدد أقل من المكلفين، وصل في بعض الحالات، وفق ما يتم تداوله، إلى ثلاثة أفراد فقط. وإذا كانت هذه المقارنة صحيحة، فإن السؤال يصبح أكثر تحديدًا: ما الذي تغير هذا العام؟ هل زاد حجم العمل؟ هل تغيرت اللوائح؟ هل صدرت تعليمات جديدة؟ هل أصبحت الجمعيات العمومية أكثر تعقيدًا؟ أم أن هناك توسعًا في تشكيل اللجان وأعداد المكلفين يحتاج إلى إعادة تقييم؟ الإجابة لا ينبغي أن تكون بالتكهنات، وإنما بالرجوع إلى قرارات التكليف الرسمية، وكشوف الحضور، ومستندات الصرف، واللوائح المنظمة.
الرقابة ضرورية.. لكن الترشيد مسؤولية أيضًا
لا خلاف على أن وجود رقابة حقيقية على الجمعيات العمومية أمر ضروري، لضمان سلامة الإجراءات والتأكد من الالتزام بالقوانين واللوائح ومنع وقوع أي مخالفات. لكن الرقابة الفعالة لا تعني بالضرورة زيادة أعداد المشاركين فيها. المعيار الأفضل هو تحقيق الرقابة المطلوبة بأقل تكلفة ممكنة، بما يضمن سلامة الإجراءات ويحافظ في الوقت نفسه على موارد مراكز الشباب. فالمال العام أمانة، وأموال مراكز الشباب تحمل مسؤولية إضافية، لأنها مخصصة لخدمة الشباب والمجتمع.
هل تضخم اللجان يحتاج إلى مراجعة؟
هناك سؤال آخر يستحق إجابة رسمية وموثقة: هل أدى التوسع في تشكيل اللجان والمكلفين بالإشراف إلى زيادة غير ضرورية في قيمة المكافآت؟ طرح هذا السؤال لا يعني إثبات وجود مخالفة، ولا يجوز اعتباره اتهامًا لأي موظف أو مسؤول، وإنما هو تساؤل رقابي يمكن حسمه بسهولة من خلال مراجعة المستندات. فإذا كانت الأعداد الحالية مبررة، فمن المهم توضيح أسبابها. وإذا كانت المكافآت تستند إلى قرارات ولوائح واضحة، فمن حق المعنيين معرفة سند الصرف. وإذا كانت موازنة مركز الشباب تتحمل هذه التكلفة، فمن الطبيعي معرفة حجمها ومدى تأثيرها على الأنشطة والخدمات المقدمة للأعضاء.
المطلوب كشف حساب واضح
ربما يكون الحل أبسط مما يبدو، من خلال نشر أو إتاحة بيانات واضحة حول تكلفة الجمعيات العمومية، تتضمن:
عدد الجمعيات العمومية التي تم عقدها. عدد اللجان التي تم تشكيلها. عدد العاملين المكلفين بكل جمعية. إجمالي قيمة المكافآت. الجهة التي تتحمل هذه النفقات. السند القانوني والإداري للصرف. مدى اعتماد قرارات التكليف وفق الإجراءات الرسمية. مقارنة التكلفة بالعام السابق. أسباب أي زيادة في أعداد المشرفين أو قيمة المكافآت. مثل هذه البيانات كفيلة بإنهاء الجدل، كما أنها تحمي العاملين والمسؤولين من الشبهات، وتؤكد أن كل جنيه تم صرفه يستند إلى مبرر قانوني وإداري واضح.
مقارنة العام الماضي بالعام الحالي
من المهم أن تجري وزارة الشباب والرياضة مقارنة دقيقة بين تكلفة الجمعيات العمومية في العام الماضي والتكلفة الحالية. فالأرقام يمكن أن تكشف حجم الزيادة، بينما تكشف القرارات واللوائح أسبابها. إذا ارتفع عدد المشرفين، فما السبب؟ وإذا زادت قيمة المكافآت، فما المبرر؟ وإذا تغيرت طريقة تشكيل اللجان، فما الأساس القانوني والإداري لذلك؟ فالشفافية لا تعني التشكيك في الموظفين، بل على العكس، هي وسيلة لحماية الموظف والمسؤول والمؤسسة والمال العام في الوقت نفسه.
مراكز الشباب ليست خزائن مفتوحة
لا ينبغي التعامل مع موازنات مراكز الشباب باعتبارها موارد بلا حدود. فكل جنيه يمكن أن يذهب إلى صيانة ملعب، أو إصلاح منشأة، أو شراء أدوات رياضية، أو دعم نشاط ثقافي واجتماعي، أو تحسين الخدمات المقدمة للأعضاء. لذلك، فإن أي نفقات مرتبطة باللجان والمكافآت يجب أن تكون ضرورية، ومبررة، ومستندة إلى قواعد واضحة. وإذا كان من الممكن تحقيق الغرض الرقابي ذاته بعدد أقل من المكلفين، فإن ترشيد الإنفاق يصبح ضرورة إدارية، وليس انتقاصًا من حقوق العاملين.
رسالة إلى وزارة الشباب والرياضة
نضع هذا الملف أمام وزارة الشباب والرياضة بقيادة الوزير جوهر نبيل، باعتباره موضوعًا يستحق مراجعة هادئة وموضوعية، بعيدًا عن الاتهامات أو الأحكام المسبقة. المطلوب ليس إلغاء الرقابة، ولا حرمان العاملين من مستحقاتهم، وإنما مراجعة آلية تشكيل اللجان، وأعداد المكلفين، وقيمة المكافآت، والجهة التي تتحملها، ومدى توافقها مع اللوائح والقرارات المنظمة. وإذا كانت الوزارة ترى أن الأعداد الحالية ضرورية، فإن توضيح المبررات سيكون كافيًا. أما إذا ثبت أن الجمعيات العمومية يمكن إدارتها بعدد أقل وتكلفة أقل، كما كان يحدث في بعض الحالات سابقًا، فإن إعادة النظر في آلية الإشراف تصبح خطوة منطقية في إطار ترشيد الإنفاق.
المال العام أمانة
في النهاية، القضية ليست ضد موظف أو لجنة أو مديرية، وإنما هي قضية إدارة للمال العام. الرقابة مطلوبة، والتنظيم ضروري، وضمان سلامة الجمعيات العمومية أمر لا خلاف عليه. لكن ترشيد الإنفاق مسؤولية لا تقل أهمية عن الرقابة نفسها. وعندما يكون هناك مركز شباب يبحث عن موارد لتمويل نشاط رياضي أو إصلاح منشأة أو توفير احتياجات أعضائه، فمن الطبيعي أن تتم مراجعة جميع بنود الإنفاق والتأكد من توجيه الأموال إلى الأولويات الحقيقية. ومن هنا يأتي السؤال الذي يستحق إجابة واضحة:
هل كل جنيه يتم إنفاقه على الإشراف على الجمعيات العمومية ضروري؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلتؤكدها اللوائح وقرارات التكليف والمستندات. وإذا كانت هناك نفقات يمكن تقليلها من دون التأثير على سلامة الإجراءات، فإن ترشيدها يصبح واجبًا. فالرقابة مطلوبة، والتنظيم مطلوب، وحقوق العاملين محفوظة، لكن حماية المال العام وترشيد إنفاقه مسؤولية أيضًا.
