عاجل
ثقافة

ميادة الحناوي في قرطاج، حين يصبح تكريم الفنان امتحانًا للجمهور

ميادة في تونس: لا تحاكموا الصوت بل كرموا التاريخ
ميادة في تونس: لا تحاكموا الصوت بل كرموا التاريخ

ميادة في تونس: لا تحاكموا الصوت بل كرموا التاريخ

لم تكن سهرة ميادة الحناوي في تونس مجرد حفل غنائي، بل فرصة لتكريم واحدة من أبرز أصوات الأغنية العربية وهي مازالت بين جمهورها. فرغم أن الزمن قد يغيّر قدرات الصوت، فإنه لا يستطيع محو التاريخ الفني والذاكرة التي صنعتها ميادة. وتكريم الفنانين وهم أحياء ليس مجاملة، بل وفاء لذاكرة أجيال كاملة، ورسالة بأن الورد الذي نقدمه للفنان في حياته أجمل من باقة نضعها أمام صورته بعد رحيله.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
كان يفترض أن تكون سهرة ميادة الحناوي في تونس أكثر من مجرد موعد غنائي عابر. كان يفترض أن تكون ليلة للوفاء، وأن يحضر فيها الفنانون والموسيقيون والإعلاميون وأهل الثقافة، لا بحثًا عن «سهرة» جديدة تضاف إلى رزنامة المهرجانات، وإنما بحثًا عن لحظة نادرة: أن نكرّم فنانة كبيرة وهي بيننا، ترى الورد بأعينها، وتسمع التصفيق بأذنيها، وتشعر أن السنوات التي منحتها للفن لم تذهب سدى.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

ولكننا نعيش، للأسف، زمنًا تبدلت فيه مقاييس كثيرة. زمن يستطيع فيه إعلان ممول أن يصنع «نجمًا» خلال ساعات، وتستطيع حملة على مواقع التواصل أن تحدد لنا من نحب، ومن نصفق له، ومن ننساه. حتى الذائقة الفنية باتت، في بعض الأحيان، بحاجة إلى خوارزمية كي تعرف أين تصفق! وكأن التاريخ لم يعد كافيًا. وكأن الفنان لا يصبح كبيرًا إلا إذا تصدر «الترند»، وكأن ملايين المشاهدات قادرة على اختصار عقود من التجربة والإبداع. والأخطر أن بعض الأصوات الجديدة، التي لم تجد بعد أغنية واحدة تعيش أكثر من موسم، باتت تتجرأ على محاكمة أصوات صنعت ذاكرة أجيال كاملة.

فامتلاك ميكروفون لا يمنح صاحبه بالضرورة حق توزيع شهادات الفن على الكبار. ليلة كان يمكن أن تكون مختلفة

سهرة ميادة الحناوي كان يمكن أن تتحول إلى احتفال حقيقي بالذاكرة الفنية العربية. كان يمكن أن تكون ليلة تقول فيها تونس لميادة: نحن لا ننسى من أعطانا. كان يمكن أن يصعد الفنانون إليها بالورد، وأن يتحدث الموسيقيون عن تجربتها، وأن تستعيد الأجيال بعضًا من أغانيها، وأن يكون الجمهور شريكًا في تكريم فنانة ارتبط اسمها بمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية. كان يمكن أن تكون ميادة ملكة المكان، لا فنانة تدخل المسرح لتخضع من جديد إلى امتحان الصوت والعمر والقدرة على بلوغ النغمات كما كانت تفعل قبل عقود.

فهناك فرق كبير بين أن تصعد الفنانة إلى المسرح لتثبت أنها مازالت قادرة على الغناء، وأن تصعد إليه ليقول لها جمهورها: لقد أعطيتِنا الكثير، واليوم جاء دورنا لنقول لك شكرًا. الفنان الكبير لا يجب أن يدخل المسرح دائمًا في امتحان. أحيانًا يدخل المسرح ليُكرَّم.

تكريم الأحياء، قبل أن يصبحوا ذكرى

من أجمل ما يمكن أن تفعله المؤسسات الثقافية أن تكرّم الفنانين وهم أحياء، وأن تمنحهم وردهم وهم قادرون على رؤيته، لا أن تنتظر رحيلهم لتكتشف فجأة حجم عطائهم. فكم من فنان امتلأت الصحف بعد رحيله بكلمات الوفاء، وكم من صوت تحول بعد الموت إلى «أسطورة»، بينما لم يجد في حياته ما يكفي من التصفيق والتقدير؟ الورد الذي يصل إلى الفنان وهو حي أجمل بكثير من ألف باقة توضع أمام صورته بعد الرحيل.

ومن هنا، تحمل مبادرة وزارة الشؤون الثقافية في تكريم ميادة الحناوي دلالة مهمة، ونتمنى أن تتواصل مثل هذه المبادرات لتشمل كبار نجوم الأغنية العربية والتونسية الذين ساهموا في تشكيل الوجدان الموسيقي لأجيال. فتكريم الكبار ليس مجاملة لهم. إنه احترام لذاكرتنا نحن.

ميادة ليست صوتًا فقط

مهرجان قرطاج 2026 يكشف برمجته
إقرأ كذلك
مهرجان قرطاج 2026 يكشف برمجته
نشر يوم 2026-07-12

قد يختلف صوت ميادة اليوم عن صوتها في سنوات الشباب… وهذا طبيعي. فالزمن لا يستثني أحدًا، والجسد الذي حمل الصوت لعقود له حقه في التعب، والنبرة التي كانت تحلق في أعلى المقامات قد تتغير مع السنوات.

لكن هناك شيئًا لا يستطيع الزمن أن يغيره: التاريخ. يمكن للزمن أن يغيّر طبقة الصوت، لكنه عاجز عن محو أغنية صادقة من ذاكرة الناس. ومكانة ميادة الحناوي في الأغنية العربية لا تُقاس بقدرتها على تكرار ما كانت تقدمه قبل أربعين عامًا، وإنما بما تركته تلك السنوات في وجدان المستمع العربي. «الحب اللي كان»، «أنا بعشقك»، «نعمة النسيان» وغيرها من الأعمال ليست مجرد أغانٍ مرت وانتهت. إنها جزء من ذاكرة أجيال، ومن زمن كانت فيه الأغنية مشروعًا فنيًا متكاملًا، يلتقي فيه الشاعر والملحن والمطرب والموسيقي لصناعة عمل قادر على البقاء.

ولهذا، فإن محاكمة ميادة اليوم فقط من زاوية الأداء الصوتي تشبه محاكمة كتاب عظيم بعدد الصفحات التي يستطيع مؤلفه قراءتها بصوت مرتفع.

شكرًا يا ميادة

ربما كانت الرسالة الأجمل التي كان ينبغي أن تحملها تلك الليلة بسيطة جدًا: شكرًا يا ميادة. شكرًا لأنك كنت جزءًا من وجدان أجيال. شكرًا لأن صوتك رافق قصص الحب، والفرح، والحنين، والانكسار. شكرًا لأنك أعطيتِ للأغنية العربية سنوات من عمرك، ولأنك مازلتِ بيننا حتى نستطيع أن نقدم لك وردة بأيدينا، لا أن نضعها يومًا أمام صورة مؤطرة.

أما صوت ميادة…

فقد يتعب صاحبه، وقد تتغير طبقاته، وقد يخذل الجسد صاحبه في لحظة ما. لكن بعض الأصوات لا تغادر المسرح أبدًا. تغادر الخشبة، نعم، لكنها تنتقل من الأذن إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى التاريخ. وميادة الحناوي، ببساطة، واحدة من تلك الأصوات.

إليسا في قرطاج في حفل يسبقه جدل وترقب جماهيري
إقرأ كذلك
إليسا في قرطاج في حفل يسبقه جدل وترقب جماهيري
نشر يوم 2026-07-24

أضف تعليق






اقرأ أيضا

كندا تعلن التحدي الاقتصادي في وجه الولايات المتحدة

كندا تعيد السيادة الاقتصادية في مواجهة الهيمنة الأمريكية

تواجه كندا الهيمنة الاقتصادية الأمريكية بميزانية 2026 وبشعار «سادة في بيتنا»، وت...

إقرأ المزيد
أبراج فاخرة بلا سكان وشبح الشغور يهدد دبي

دبي: حين يتحول هوس البناء إلى أزمة شغور عقاري

دبي تواجه تحديات الشغور العقاري بعد سنوات من البناء المفرط، وسط تساؤلات حول مستق...

إقرأ المزيد
حزب الليكود في المغرب يتجاوز حدود التطبيع؟

المغرب: مشروع حزب الليكود يثير جدلا سياسياً ودستورياً

المغرب يشهد جدلاً بعد إيداع طلب تأسيس حزب باسم الليكود بمرجعية يهودية، وسط اعترا...

إقرأ المزيد
نائبة مصرية في مرمى الانتقادات بعد صلح بين القبائل

حملات انتقادات تستهدف وفاء رشاد عقب نجاحها في قيادة صلح تاريخي

تواجه النائبة المصرية وفاء رشاد انتقادات وحملات هجوم عقب نجاحها في قيادة صلح تار...

إقرأ المزيد
أزمة الكراء في تونس، الشباب أمام عقبة السكن والزواج

الكراء في تونس يلهم الأجور ومطالب بتدخل عاجل

أزمة الكراء في تونس تتفاقم مع ارتفاع أسعار السكن واستنزاف الأجور، وسط مطالب بتسق...

إقرأ المزيد
حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الشائعات

حمدي سالمان يحذر : ألف حساب وهمي قادر على قلب الرأي العام

حمدي سالمان يدعو إلى منصة مصرية لمواجهة الحسابات الوهمية والشائعات، ويطالب بتنظي...

إقرأ المزيد
بنزرت: ملتقى عربي يجمع رواد القصيدة والأصوات الشابة

بنزرت تحتفي بالشعر الملحون وبالتراث والإبداع

تستعد ولاية بنزرت لاحتضان الدورة الخامسة من الملتقى العربي للشعر الملحون أيام 6 ...

إقرأ المزيد
عبد الرحمن السيد، مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي

عبد الرحمن السيد، أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي

عبد الرحمن السيد، الطبيب الأمريكي من أصول مصرية، يصنع التاريخ بفوزه بمقعد في مجل...

إقرأ المزيد
قنا المصرية: فقدت ابنها الوحيد فرضفت الانتقام

أماني أبو سحلي، أمٌّ رفضت الثأر لابنها الوحيد، فاختارت أن تنقذ أبناء الآخرين من الموت

أماني أبو سحلي، الأم والنائبة الراحلة من قنا، فقدت ابنها الوحيد في حادث ثأري لكن...

إقرأ المزيد
التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، أزمة جديدة مع فرنسا

النفايات النووية في الجزائر، جرح التجارب الاستعمارية يعود إلى الواجهة

تتهم الجزائر فرنسا بالتهرب من مسؤوليتها عن النفايات النووية في رقان وإن إكر، وتط...

إقرأ المزيد