ويبدو أن عودة بعض هذه المظاهر في عدد من المناطق تستوجب وقفة جادة، ليس فقط من زاوية التعامل الأمني معها، وإنما أيضًا من خلال البحث في أسبابها الحقيقية والعمل على منع تكرارها. فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الماء أو الكهرباء أو نقص بعض الخدمات لا يحتاج إلى الوعود بقدر حاجته إلى تدخل سريع ومسؤول يعالج الإشكال ويعيد الأمور إلى طبيعتها.
خدمة المواطن واجب وليست منّة
تحرك المسؤولين في مختلف المواقع والمستويات لخدمة المواطنين ليس امتيازًا ولا منّة من أحد، بل هو في الأصل واجب تتحمله مؤسسات الدولة تجاه المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن توفير الماء والكهرباء والمواد الأساسية والخدمات الضرورية، والتدخل السريع عند حدوث اضطرابات، يجب أن يكون في صدارة الأولويات. فالمسؤولية لا تبدأ بعد اندلاع الاحتجاجات، وإنما قبلها من خلال الاستشراف والتخطيط والاستعداد لمواجهة الأزمات. وهنا تبرز أهمية الوقاية، لأن معالجة الأزمات بعد انفجارها تكون دائمًا أكثر كلفة وتعقيدًا من توقعها والاستعداد لها مسبقًا.
الاحتجاج حق.. لكن دون الاعتداء على حقوق الآخرين
من حق المواطن أن يحتج وأن يعبّر عن غضبه وأن يطالب بتحسين ظروفه، لكن لا يمكن أن يتحول هذا الحق إلى اعتداء على حق مواطن آخر في التنقل أو العمل أو العلاج أو الوصول إلى منزله. قطع الطرقات وحرق العجلات ورشق المارة أو وسائل النقل بالحجارة لا يخدم المطالب الاجتماعية، بل قد يؤدي إلى تعقيدها، ويحوّل قضية مطلبية مشروعة إلى أزمة أمنية وقانونية. والأصل أن تكون الاحتجاجات في إطار يحفظ كرامة المحتجين وسلامة بقية المواطنين، ويتيح إيصال الرسالة بوضوح دون الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة أو تعريض الأرواح للخطر.
الحاجة إلى اليقظة دون تضخيم الاتهامات
في المقابل، لا ينبغي التعامل مع كل تحرك اجتماعي باعتباره مؤامرة أو نتيجة لتدخل جهات خارجية.
فقد تكون وراء بعض التحركات أجندات سياسية أو مصالح مختلفة، لكن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة وتحقيقات، ولا يجوز تحويل الشكوك إلى حقائق ثابتة. والأهم أن معالجة أي محاولة لاستغلال الاحتقان الاجتماعي تبدأ بإزالة أسباب الاحتقان نفسها، عبر تحسين الخدمات والاستجابة للمطالب المشروعة وفتح قنوات التواصل مع المواطنين.
تونس تحتاج إلى الاستباق لا إلى ردود الفعل
تواجه البلاد، مثل غيرها، تحديات اقتصادية واجتماعية وضغوطًا مرتبطة بغلاء الأسعار وتوفير الخدمات الأساسية. ولذلك فإن المرحلة تتطلب مزيدًا من العمل الاستشرافي، ووضع برامج واضحة لضمان الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وتأمين استمرارية الخدمات الحيوية. فكل نقص في خدمة أساسية يمكن أن يتحول، إذا طال أمده، إلى حالة من الغضب والاحتقان. وكل تأخر في التدخل قد يفتح المجال أمام الإشاعات والتوظيف السياسي واستغلال معاناة المواطنين.
القانون فوق الجميع
إن حماية المجتمع لا تكون بالتساهل مع مظاهر الفوضى، كما لا تكون بتجاهل الأسباب الاجتماعية التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج. المطلوب هو تحقيق التوازن بين الأمرين: احترام حق المواطن في التعبير، وفي الوقت نفسه تطبيق القانون على كل من يعتدي على حقوق الآخرين أو يهدد سلامتهم. كما أن حماية السلم الاجتماعي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين والقوى السياسية والمدنية والإعلام، لأن تونس في حاجة اليوم إلى تخفيف الاحتقان لا إلى توسيعه. وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على الاستجابة السريعة لمطالب مواطنيها وتوفير الخدمات الضرورية وصون كرامتهم. أما المواطن، فله حقوق لا جدال فيها، وعليه في المقابل واجبات تجاه وطنه ومجتمعه. وبين الحقوق والواجبات يبقى القانون هو الإطار الذي يحمي الجميع، وتبقى مصلحة تونس فوق الحسابات الضيقة، مهما كان مصدرها.
