ولا تمثل هذه البطولة مجرد منافسة عالمية على الألقاب، بل تعد أيضًا اعترافًا دوليًا بالمكانة التي بلغتها تونس في هذه الرياضة الفكرية، بعد سنوات من العمل الذي قادته الجمعية التونسية للسكربل (ASTUS) في نشر اللعبة وتطويرها وصناعة جيل من اللاعبين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات. ولن تكون تونس في نسخة 2026 مجرد دولة منظمة، بل ستكون أيضًا من أبرز المنتخبات المشاركة في مختلف المسابقات، معتمدة على خبرة لاعبيها وفي مقدمتهم زهير العلولو، أحد أبرز الأسماء في تاريخ السكربل العربي والإفريقي. ويحمل علولو سجلًا استثنائيًا، إذ توج 15 مرة بطلاً لتونس، كما سبق أن اعتلى صدارة التصنيف العالمي، وأحرز لقب بطل إفريقيا في منافسات "البلتز"، ليصبح رمزًا للتميز التونسي في هذه الرياضة. وتؤكد الجمعية التونسية للسكربل أن هدفها لا يقتصر على تحقيق النتائج، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ قيم الحوار والتبادل الثقافي والتنافس الشريف بين مختلف شعوب الفضاء الفرنكوفوني.
نيجل ريتشاردز... الظاهرة التي حيرت العالم. لكن الأنظار ستتجه قبل كل شيء نحو النجم النيوزيلندي نيجل ريتشاردز، الذي يعود إلى بطولة العالم وهو يحمل سجلًا يكاد يكون غير مسبوق في تاريخ اللعبة.
وقد ولد ريتشاردز سنة 1967 بمدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، وتمكن على مدى قرابة عقدين من الزمن من إعادة تعريف مفهوم التفوق في السكربل، بعدما فرض هيمنته على البطولات الإنجليزية، ثم حقق إنجازًا بدا مستحيلًا عندما أصبح بطلًا للعالم باللغة الفرنسية، رغم أنه لا يتحدث الفرنسية بطلاقة. وتروي إحدى أشهر القصص في تاريخ اللعبة أنه حفظ القاموس الفرنسي للسكربل، الذي يضم نحو 386 ألف كلمة، خلال بضعة أسابيع فقط، قبل أن يسافر للمشاركة في البطولة العالمية ويتوج باللقب، مستعينًا بمترجم فقط لإلقاء كلمة الشكر بعد التتويج. ويعتمد ريتشاردز على ذاكرة استثنائية وقدرات تحليلية ورياضية مذهلة، ما جعله نموذجًا فريدًا بين لاعبي السكربل، حتى إن خبراء اللعبة شبّهوا إنجازه بما يشبه فوز لاعب جولف ببطولة ويمبلدون للتنس، في إشارة إلى صعوبة الجمع بين التفوق في لغتين مختلفتين.
ولقد حقق نيجل ريتشاردز إنجازات غير مسبوقة، من بينها: خمس مرات بطل العالم في السكربل باللغة الإنجليزية، بطل العالم في السكربل الكلاسيكي باللغة الفرنسية، بطل العالم في مسابقات الدوبليكيت والبلتز والأزواج في عدة مناسبات. وصاحب إنجازات تاريخية تمثلت في الفوز بأربعة ألقاب عالمية في بطولة واحدة، وهو إنجاز نادر في تاريخ اللعبة. وفي نسخة 2025 بمدينة تروا ريفيير الكندية، أضاف ثلاثة ألقاب عالمية جديدة إلى رصيده، مؤكداً أنه لا يزال الرقم الأصعب في عالم السكربل. والسؤال الذي يفرض نفسه قبل انطلاق البطولة هو: هل سيتمكن أحد من كسر هيمنة نيجل ريتشاردز؟
فالبطولة ستعرف مشاركة أبطال عالم سابقين، ونجوم شباب صاعدين، ولاعبين يطمحون إلى كتابة أسمائهم في سجل الأبطال، لكن الجميع يدرك أن تجاوز اللاعب النيوزيلندي يتطلب أداءً استثنائيًا، بالنظر إلى استقراره المذهل وقدرته الفائقة على قراءة اللوحة وحساب أفضل الاحتمالات. وبعيدًا عن المنافسة الرياضية، تمثل استضافة بطولة العالم فرصة ثمينة لتونس لإبراز قدراتها التنظيمية والترويج لصورتها كوجهة سياحية وثقافية ورياضية، خاصة مع توافد مئات اللاعبين والمرافقين من مختلف أنحاء العالم. ومن المنتظر أن تسهم هذه التظاهرة في تعزيز الحضور التونسي داخل الاتحاد الدولي للسكربل الفرنكوفوني، كما ستمنح الأجيال الجديدة فرصة للاحتكاك المباشر بأبرز نجوم اللعبة واكتساب خبرات ثمينة. وبين طموح المنتخب التونسي، وسحر العاصمة تونس، وحضور أعظم لاعب عرفته اللعبة، تبدو بطولة العالم للسكربل الفرنكوفوني 2026 مرشحة لأن تكون واحدة من أنجح النسخ في تاريخ هذه الرياضة الذهنية، حيث ستجتمع المنافسة والإبداع والثقافة في موعد عالمي ينتظره عشاق السكربل بشغف.
