عاجل
ثقافة

محمد الجبالي ليس المشكلة، إلى أين يسير مهرجان قرطاج؟

محمد الجبالي أم أزمة هوية مهرجان قرطاج؟
محمد الجبالي أم أزمة هوية مهرجان قرطاج؟

محمد الجبالي أم أزمة هوية مهرجان قرطاج؟

أثار الجدل حول طلب الفنان محمد الجبالي الاحتفال بأربعين عامًا من مسيرته الفنية نقاشًا واسعًا، لكنه أخفى السؤال الأهم: ما هو الدور الحقيقي لمهرجان قرطاج؟ يرى المقال أن المهرجان ينبغي أن ينتقل من منطق التكريم إلى منطق صناعة النجوم والاستثمار في الثقافة باعتبارها قوة ناعمة واقتصادًا قادرًا على جذب السياح وتعزيز صورة تونس عالميًا، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
ضحكت كثيرًا وأنا أتابع الجدل. محمد الجبالي يقول: أريد الاحتفال بأربعين سنة من مسيرتي الفنية. وإدارة مهرجان قرطاج تردّ: الملف الفني لم يستوفِ الشروط. وبين هذا وذاك، انقسم التونسيون إلى فريقين؛ فريق يغني مع محمد الجبالي، وفريق يدافع عن الملف الإداري.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

لكن الجميع نسي السؤال الحقيقي. ليس السؤال: هل يستحق محمد الجبالي التكريم؟ بل السؤال هو: هل ما زال مهرجان قرطاج مؤسسة للتكريم أصلًا؟ إذا فتح قرطاج باب الاحتفال بأربعين سنة من مسيرة فنان، فسيأتي غدًا من يطالب بالاحتفال بخمسين سنة، وبعده من يحتفل بخمس وثلاثين، ثم بثلاثين... وسيتحوّل أكبر مهرجان في تونس إلى رزنامة سنوية للاحتفاء بالمسيرات الفنية.

وقريبًا، لن نحتاج مديرًا للمهرجان... بل سنحتاج موظفًا في الحالة المدنية يتولى حساب أعمار الفنانين وعدد سنوات عطائهم! ودعونا نكن قساة قليلًا مع محمد الجبالي. فأربعون سنة من الإبداع ليست مجرد رصيد من الأغاني، بل هي علامة فنية تحمل اسم "محمد الجبالي". والعلامات الكبرى لا تُقدَّم في ملف مرتبك أو فكرة عامة، وإنما تُقدَّم كمشروع متكامل: رؤية فنية، وإخراج مبتكر، وهوية بصرية، وخطة تسويق، وقيمة مضافة، ورسالة واضحة تجيب عن سؤال بسيط: لماذا سيكون هذا العرض حدثًا يستحق أن يسافر الجمهور من أجله إلى تونس؟ فالفنان اليوم لم يعد يبيع أغنية... بل يبيع تجربة متكاملة.

وفي المقابل، على إدارة مهرجان قرطاج أن تطرح على نفسها سؤالًا أكثر إيلامًا: هل وظيفة قرطاج توزيع شهادات حسن السيرة الفنية؟ أم صناعة اقتصاد ثقافي حقيقي؟ انظروا إلى كرة القدم.

قبل سنوات، كان كثيرون يعتقدون أنها مجرد اثنين وعشرين لاعبًا يركضون وراء كرة. أما اليوم فقد أصبحت صناعة تدر مئات المليارات من الدولارات، تجمع بين الرياضة والسياحة والإعلام وحقوق البث والرعاية والاستثمار، وتمثل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدول. لم يعد أحد يسأل: كم سنة لعب هذا اللاعب حتى نكرّمه؟ بل يسأل: كم سيحقق من عائدات؟ كم سيجذب من مستشهرين؟ كم سيبيع من القمصان؟ كم سيوفر من فرص سياحية؟ وكم ستربح المدينة التي تستضيف الحدث؟ والثقافة ليست أقل شأنًا من الرياضة... بل ربما أشد تأثيرًا.

فالفنان العالمي الذي يصعد إلى ركح قرطاج لا يقدم حفلة فحسب، بل يجلب معه آلاف الزوار، وعشرات الصحفيين، وملايين المشاهدات، ويحوّل اسم تونس إلى عنوان حاضر في وسائل الإعلام العالمية. أما الفنان التونسي، فلا ينبغي أن يكون مشروع تكريم...

محمد الجبالي يوجه رسالة إلى محمد التومي
إقرأ كذلك
محمد الجبالي يوجه رسالة إلى محمد التومي
نشر يوم 2026-07-27

بل مشروع تصدير. علينا أن نستثمر فيه، ونبني صورته، ونسوقه عربيًا وإفريقيًا وعالميًا، حتى يصبح سفيرًا ثقافيًا واقتصاديًا لتونس، وقوة ناعمة تعزز حضورها في العالم. لقد تغيّر العالم. فالمهرجانات الكبرى لم تعد تُقاس بعدد التصفيقات، بل بعدد تذاكر الطيران التي باعتها، وعدد ليالي الإقامة التي وفرتها، وحجم التغطية الإعلامية التي حققتها، والصور التي جابت العالم وهي تقول: "هذه تونس".

لهذا أعتقد أن الجدل بأكمله يدور في المكان الخطأ.

محمد الجبالي ليس المشكلة... وإدارة المهرجان ليست المشكلة... المشكلة الحقيقية أن الجميع يناقش مقعدًا في قرطاج، بينما لا أحد يناقش إلى أين يتجه قرطاج. إن مهرجان قرطاج لا يحتاج إلى فلسفة "تكريم الفنانين"، بقدر ما يحتاج إلى فلسفة "صناعة الفنانين". ولا يحتاج إلى عدّ سنوات المسيرة...

بل إلى قياس أثرها: ملايين المشاهدات، وآلاف السياح، وشراكات دولية، ومشاريع ثقافية تجعل اسم تونس يسافر أبعد من حدودها. فالدول الناجحة لا تبيع تاريخها... بل تستثمر فيه. ولا تستهلك ثقافتها... بل تحولها إلى اقتصاد، وإلى نفوذ، وإلى دبلوماسية ناعمة. أما نحن، فما زلنا نختلف حول من يستحق درعًا تذكارية، بينما يحول العالم الأغنية إلى طائرة ممتلئة بالسياح، والمهرجان إلى صناعة بمليارات، والفنان إلى قوة ناعمة تفتح للأسواق ما لا تفتحه السفارات. وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الحقيقي:

هل يستحق محمد الجبالي أن يُكرَّم؟ بل أصبح السؤال الذي سيحدد مستقبل الثقافة التونسية كلها: هل نريد مهرجانًا يحتفي بالماضي... أم مهرجانًا يصنع المستقبل؟

إليسا تحسم الجدل في قرطاج، ملكة الإحساس تكسب الرهان
إقرأ كذلك
إليسا تحسم الجدل في قرطاج، ملكة الإحساس تكسب الرهان
نشر يوم 2026-08-17

أضف تعليق






اقرأ أيضا

من القارورة إلى البورصة، كيف أصبح رأس المال الفرنسي حاضر في سوق المشروبات التونسية؟

خرج الاستعمار الفرنسي، لكنه رجع إلى تونس من باب قارورة سلتيا

خرج الاستعمار الفرنسي من تونس منذ عقود، وغادر الجنود والإدارة الاستعمارية، لكن ي...

إقرأ المزيد
رضوان العجرودي يتألق في مهرجان العالمي للشعر

من تونس إلى كولومبيا، الشاعر التونسي رضوان العجرودي يلفت الأنظار

سجّل الشعر التونسي حضورًا لافتًا في الدورة السادسة والثلاثين من المهرجان العالمي...

إقرأ المزيد
مدينة ألعاب في فرسنا بأموال سعودية

السعودية تستثمر مليارات في فرنسا لإنشاء مدينة ألعاب

لم يكن إعلان فرنسا والسعودية عن مشروع ضخم لإنشاء مدينة ترفيهية مستوحاة من عالم «...

إقرأ المزيد
هل يواكب المهرجان العربي للإذاعات والتلفزيون إعلام المستقبل؟

هل حان وقت إعادة التفكير في الإعلام العربي؟

في مقر وزارة الشؤون الثقافية بتونس، انعقد اجتماع جمع وزيرة الشؤون الثقافية السيد...

إقرأ المزيد
من يعبث بقوت التونسيين؟

من يريد تعطيش وتجويع الشعب التونسي؟

تعيش تونس منذ بداية الصائفة على وقع أزمات متلاحقة تمسّ قطاعات حيوية ترتبط مباشرة...

إقرأ المزيد
الغارات الإسرائيلية على سوريا ترفع منسوب التوتر مع تركيا

إسرائيل وتركيا في سوريا، جبهة جديدة تهدد بإشعال المنطقة

بينما تتركز الأنظار على الحرب بين إسرائيل وإيران والتوتر المتصاعد حول مضيق هرمز،...

إقرأ المزيد
بين الاحتجاج والفوضى، إشعال العجلات ليست وسيلة للتعبير

غضب المواطن مشروع لكن قطع الطريق ورشق الحجارة ليس الحل

لا يمكن أن يكون التعبير عن الغضب بسبب انقطاع الماء أو الكهرباء أو تراجع بعض الخد...

إقرأ المزيد
قربة تحتفي بالمسرح وتفتتح دورتها بسهرة فنية ناجحة

أيام قربة المسرحية تنطلق بنجاح بعرض يخطف تصفيق الجمهور

واكبت جريدة المساء التونسية حفل افتتاح الدورة الثالثة لأيام قربة المسرحية، في سه...

إقرأ المزيد
هذه تونس الغنية بالثروات والفقيرة في النمو

المفارقة العجيبة التونسية: تملك الثروة لكنها تخسر العقول

رغم ما تزخر به تونس من ثروات طبيعية وإمكانات اقتصادية مهمة، فإن المفارقة تظل قائ...

إقرأ المزيد
ماذا تغير في جمعيات مراكز الشباب المصرية؟

هل تحتاج مراكز الشباب المصرية إلى كل هذه النفقات؟

في وقت تتجه فيه الدولة المصرية إلى ترشيد الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد الم...

إقرأ المزيد