ومن أبرز ملامح هذه المرحلة اعتماد خيارات اقتصادية تقوم على تقليص اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، بما يمنح البلاد هامشًا أوسع في رسم سياساتها الاقتصادية والمالية وفق أولوياتها الوطنية، بعيدًا عن الضغوط والإملاءات التي قد ترافق التمويلات الدولية. وتشير المعطيات الرسمية إلى تحسن الأداء في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها السياحة، والصناعات المعملية، وصناعة النسيج، والصناعات الغذائية، والفوسفاط، إلى جانب ارتفاع صادرات زيت الزيتون والتمور والقوارص ومنتجات البحر. كما برزت مجالات واعدة مثل البرمجيات والذكاء الاصطناعي وصناعة مكونات الشرائح الإلكترونية وبعض الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يعكس تنوعًا متزايدًا في الاقتصاد الوطني. وفي الجانب الإداري، تتواصل الجهود لتكريس مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة، عبر تعميم الرقمنة داخل المؤسسات العمومية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، والتصدي لمظاهر البيروقراطية والمحسوبية والفساد، مع الحرص على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. كما تواصل المؤسسات السيادية، على غرار الأمن والدفاع والمالية والقضاء والشؤون الخارجية، أداء مهامها في حماية الدولة وخدمة المواطنين داخل البلاد وخارجها. وساهمت كميات الأمطار المسجلة خلال الموسم الفلاحي الماضي وبداية الموسم الحالي في إنعاش الآمال بتحقيق نتائج إيجابية في القطاع الزراعي، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والإنتاج الفلاحي. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال عدة تحديات اقتصادية واجتماعية قائمة، أبرزها تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، بما فيها بعض المواد المدعمة، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه الشباب في الحصول على السكن وتوفير الإمكانيات اللازمة لتكوين أسرة، وهو ما يستوجب مواصلة العمل على وضع برامج اجتماعية تستجيب لاحتياجات الفئات الضعيفة والمتوسطة وتعزز الاستقرار الاجتماعي.
كما تظل مكافحة التهريب والتهرب الجبائي وغسل الأموال والاحتكار من الأولويات التي تتطلب إجراءات أكثر نجاعة واستمرارية، إلى جانب معالجة ملف الهجرة غير النظامية بما يحفظ أمن البلاد ويحترم القانون، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها هذه الظاهرة على الحدود البرية والبحرية. وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى مواصلة إصلاح الإدارة العمومية من خلال تقييم الأداء، واحترام أوقات العمل، والارتقاء بجودة الخدمات، فضلاً عن تشجيع الشباب على بعث المشاريع والاستثمار، عبر توفير حوافز وتمويلات ملائمة من المؤسسات البنكية، ودعم الشركات الأهلية والمؤسسات الناشئة. وتعزز هذه التوجهات مراجعة عدد من التشريعات المتعلقة بالصرف والاستثمار والطاقة والقطاع الفلاحي، بما يهدف إلى تحسين مناخ الأعمال واستقطاب الاستثمارات وتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة. ورغم ما يشهده العالم من أزمات وصراعات سياسية واقتصادية وأمنية، فإن قدرة تونس على تنويع علاقاتها وشراكاتها الخارجية قد تمثل عاملًا مهمًا في الحد من تداعيات المتغيرات الدولية، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز فرص التنمية خلال المرحلة المقبلة.