فخلال أكثر من عقدين، عرف هذا النوع من القمار انتشارًا لافتًا، مستفيدًا من تطور التكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المنصات الإلكترونية التي تروّج للمراهنات الرياضية والألعاب المالية، حيث أصبح الدخول إلى عالم الرهانات لا يحتاج سوى إلى هاتف ذكي وحساب إلكتروني. وما كان في السابق نشاطًا محدودًا أو مخفيًا، أصبح اليوم حاضرًا في الفضاء الرقمي بشكل واضح، ووصل إلى فئات عمرية واجتماعية مختلفة. المقلق في هذه الظاهرة أنها لم تعد مرتبطة بفئة معينة أو بمستوى تعليمي أو اجتماعي محدد، بل أصبحت تمسّ مختلف الفئات، من الشباب إلى الكهول، ومن أصحاب الدخل المحدود إلى أشخاص من مستويات اجتماعية وثقافية مختلفة. كما أنها لم تعد ظاهرة فردية، بل تحولت في بعض الحالات إلى سلوك داخل محيطات عائلية واجتماعية، يتم التعامل معه أحيانًا باستخفاف، رغم خطورته الكبيرة. ويعتمد القمار الإلكتروني في جوهره على استغلال رغبة الإنسان في تحقيق مكاسب مالية سريعة وسهلة. فالكثير من المستخدمين يدخلون هذا العالم بمبالغ صغيرة، معتقدين أنهم قادرون على تحقيق أرباح كبيرة خلال وقت قصير، قبل أن يتحول الأمر تدريجيًا إلى إدمان يصعب التخلص منه.
ومع تكرار الخسائر، يقع البعض في دوامة خطيرة، حيث يحاولون تعويض الأموال الضائعة بمزيد من الرهانات، لتتراكم الخسائر وتتحول الأحلام بالثراء إلى أزمات مالية ونفسية قد تصل إلى تفكك الأسر وضياع مدخرات سنوات طويلة من العمل. فخلف الأرقام والمنصات الإلكترونية توجد قصص إنسانية مؤلمة: أفراد فقدوا السيطرة على أموالهم، عائلات دخلت في صراعات بسبب الديون، وأشخاص أصبحوا أسرى لوهم الربح السريع، بينما تستفيد الشركات المشغلة لهذه المنصات من تدفق الأموال إليها. وإلى جانب الجانب الاجتماعي والنفسي، تطرح ظاهرة القمار الإلكتروني إشكالًا اقتصاديًا يتعلق بخروج الأموال نحو شركات أجنبية تنشط في هذا المجال، حيث تستقطب رهانات المستخدمين من مختلف الدول عبر منصات رقمية عالمية.
ويطرح ذلك تساؤلات حول حجم الأموال التي تغادر الاقتصاد الوطني، ومدى الحاجة إلى وضع آليات أكثر صرامة للحد من استنزاف العملة الصعبة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تتطلب حماية الموارد المالية للبلاد.
إن خطورة القمار الإلكتروني تستوجب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني أو القانوني فقط، بل تشمل أيضًا التوعية والتربية والوقاية. فكما يتم التحذير من مخاطر المخدرات وتأثيراتها المدمرة على الشباب والمجتمع، فإن الإدمان على القمار الرقمي يحتاج بدوره إلى استراتيجية واضحة للتصدي له.
كما أن صمت المجتمع تجاه هذه الظاهرة أو التعامل معها باعتبارها مجرد "تسلية" يزيد من انتشارها، خاصة لدى الشباب الذين تستهدفهم الدعاية الرقمية المكثفة التي تروّج لفكرة الربح السهل والحياة المرفهة في وقت قصير. ولا بد من تعزيز الرقابة على المنصات غير القانونية، ومساءلة الجهات التي تروّج لهذا النشاط بطرق تستغل حاجة الناس وأحلامهم، إلى جانب توفير برامج توعية تساعد المدمنين على الخروج من هذه الدائرة المغلقة. إن مقاومة القمار الإلكتروني ليست مسؤولية جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات التربوية والإعلام والعائلة والمجتمع المدني. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد مواقع إلكترونية، بل ضد ثقافة وهمية تقوم على فكرة أن الثروة يمكن أن تأتي دون جهد أو عمل.
ويبقى الأمل أن تتحرك الجهات المعنية بجدية وحزم لوضع حد لهذه الظاهرة قبل أن تتوسع أكثر، حمايةً للشباب التونسي وصونًا لاستقرار الأسر، وتجنيبًا للمجتمع آثارًا قد تكون أكثر خطورة مما يتصور البعض. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بمواجهة الأخطار الظاهرة، بل أيضًا بالتصدي للآفات الصامتة التي تنخر بنيتها من الداخل. وللحديث بقية...
