ومن أبرز المشاهد التي هزّت الرأي العام المجري، ظهور رسالة غير مسبوقة على شاشة القناة العمومية M1، اعترفت فيها المؤسسة الإعلامية بأنها ضللت الجمهور لسنوات، وجاء في مضمونها أن "وسائل الإعلام العمومية لا يجب أن تكذب ولا يمكنها أن تكذب"، مع تقديم اعتذار رسمي للمشاهدين عن سنوات من الأخبار المضللة. ولم يتوقف الأمر عند الاعتذار، إذ توقفت نشرات الأخبار التلفزيونية مؤقتًا، بينما استبدلت إذاعة كوشوت الرسمية نشراتها الإخبارية بالموسيقى، في خطوة بررتها السلطات الجديدة بأنها تتيح إعادة تنظيم غرف الأخبار وإعادة بناء مؤسسات إعلامية مستقلة ومحايدة بعد سنوات من الهيمنة السياسية. وعندما عادت القناة إلى البث، اختارت توقيتًا رمزيًا هو الساعة 19:56، في إشارة إلى ثورة عام 1956 التي انتفض خلالها الشعب المجري ضد الهيمنة السوفيتية، في رسالة تحمل دلالة سياسية واضحة على بداية مرحلة جديدة. يرى مراقبون أن هذه الإجراءات جاءت بعد أكثر من ستة عشر عامًا من حكم فيكتور أوربان، الذي نجح خلال تلك الفترة في بناء منظومة إعلامية واسعة مؤيدة له، كان أبرزها مؤسسة KESMA التي ضمت مئات الصحف ووسائل الإعلام، ما جعل غالبية المشهد الإعلامي المجري تحت نفوذ السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفق تقييمات العديد من المؤسسات الأوروبية. ورغم هذه السيطرة الواسعة على وسائل الإعلام، تمكن الناخبون المجريون في الانتخابات الأخيرة من إنهاء حقبة أوربان ومنح أغلبية مريحة للتيار المؤيد لأوروبا بقيادة بيتر ماغيار، في مؤشر اعتبره كثيرون دليلاً على أن احتكار الإعلام لا يضمن بالضرورة الفوز في صناديق الاقتراع. لكن هذه الخطوات أثارت نقاشًا واسعًا داخل المجر وخارجها، فبينما رحب الاتحاد الأوروبي بما اعتبره فرصة لإعادة بناء إعلام أكثر استقلالية، حذرت نقابات الصحفيين وأصوات إعلامية مستقلة من سرعة التغييرات واتساعها، معتبرة أن استبدال هيمنة بأخرى قد يقوض الهدف الحقيقي المتمثل في ضمان حرية الصحافة.
في المقابل، وصف أنصار أوربان ما يحدث بأنه "انقلاب إعلامي" و"عملية تطهير سياسي" تتم تحت شعار الإصلاح، معتبرين أن الحكومة الجديدة أصبحت هي التي تحدد وحدها معنى الحياد الإعلامي. ويرى محللون أن التحدي الأكبر أمام السلطة الجديدة لا يكمن في إزالة آثار المرحلة السابقة فحسب، بل في بناء إعلام مستقل قادر على انتقاد الحكومة الحالية بنفس الحرية التي انتقد بها الحكومة السابقة. ويؤكد مراقبون أن الديمقراطية لا تُقاس بإسكات وسائل الإعلام المؤيدة للخصوم، وإنما بضمان وجود صحافة حرة ومتنوعة تستطيع مساءلة جميع الأطراف دون استثناء.
كما أظهرت التجربة المجرية أن وسائل الإعلام المستقلة، رغم الضغوط التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، استطاعت الصمود بفضل دعم المواطنين، الذين قدم كثير منهم جزءًا من ضرائبهم لتمويل المؤسسات الصحفية المستقلة، ما منحها القدرة على الاستمرار.
ويرى متابعون أن ما جرى يمثل بداية مرحلة دقيقة في تاريخ الإعلام المجري؛ فإغلاق صفحة الدعاية السياسية قد يكون خطوة ضرورية، لكن النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة الحكومة الجديدة على إنشاء منظومة إعلامية مستقلة، لا تتحول بدورها إلى أداة بيد السلطة. ويبقى السؤال المطروح اليوم داخل المجر: هل ستنجح البلاد في بناء إعلام حر يخدم المجتمع والديمقراطية، أم أن المشهد سيشهد انتقال النفوذ من طرف إلى آخر دون تحقيق الاستقلالية المنشودة؟