ينحدر الراحل من مدينة القيروان، مدينة الأغالبة، التي تختزن بين أسوارها تاريخًا عريقًا وإرثًا ثقافيًا وفنيًا ثريًا. ومن هذه البيئة استمد روحه الفنية التي امتزجت فيها الأصالة بالرقي والبساطة. وخلال سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية مهمة في تونس، التحق بمسيرة الأغنية الشبابية التي كانت تبحث آنذاك عن لغة جديدة تعبّر عن تطلعات الشباب وأحلامهم. واختار كمال رؤوف النقاطي أن يشق طريقه بأسلوب مميز من خلال الأغنية الفرانكو-عربية، التي مزجت بين الإيقاعات الشرقية والنغمات الغربية الحديثة، فكان من أبرز ممثلي هذا اللون الموسيقي في تونس. وقد ظلت أعماله، مثل "يا أمي لا تبكي"، "الزمن غدار"، "متكبر متجبر"، "تمايلي يا صبية"، "على الرملة مشينا ميل"، "يا فاطمة" و"يسمينا، راسخة في وجدان جمهور واسع، شاهدة على مرحلة زاخرة بالإبداع والصدق الفني.
غير أن قيمة كمال رؤوف النقاطي لم تكن في عدد الأغنيات التي قدّمها فحسب، بل في الأثر الإنساني الذي تركه. فقد عُرف برهافة إحساسه، وبشاشة وجهه، وأناقة حضوره، وقربه من الناس. كان يؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يعيش بعيدًا عن جمهوره، بل بينهم، يشاركهم أفراحهم ويعبّر عن مشاعرهم بصدق وعفوية.
وقد جمعتني به لقاءات عديدة داخل أروقة الإذاعة الوطنية، حيث كان حضوره دائمًا يحمل الدفء نفسه؛ ابتسامة لا تفارق محيّاه، وحديثًا هادئًا يفيض بمحبة الفن وذكريات الزمن الجميل.
كان مثالًا للفنان الخلوق الذي يدرك أن القيمة الحقيقية للإبداع لا تقتصر على جمال الصوت، بل تشمل أيضًا نبالة السلوك واحترام الآخرين. وبرحيل كمال رؤوف النقاطي، يعود إلى الواجهة سؤال طالما طُرح: كيف نحفظ ذاكرة فنّانينا؟ فالأغنية ليست مجرد تسجيل محفوظ في الأرشيف، بل وثيقة ثقافية تحفظ ملامح المجتمع، وتروي أفراحه وأحزانه، وتعكس أحلام أجياله. وعندما يغيب الاهتمام بروّاد الفن، فإننا لا نفقد أسماءً فقط، بل نخسر جزءًا من ذاكرتنا الوطنية. وقد يرحل الفنان، وتتبدل الأذواق وتتغير الأزمنة، لكن العمل الصادق يبقى عصيًا على النسيان، يجد طريقه إلى القلوب مهما تعاقبت السنوات. سيظل اسم كمال رؤوف النقاطي حاضرًا في سجل الأغنية التونسية كأحد الفنانين الذين تركوا بصمة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بعمق تأثيرها في وجدان الناس. لقد رحل الجسد، لكن بقي الصوت حيًا، وبقيت الأغنيات تروي للأجيال حكاية فنان أحب الفن بصدق، فأحبّه الجمهور وبقي وفيًا لذكراه. رحم الله كمال رؤوف النقاطي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدّمه للأغنية التونسية من فن أصيل سيظل خالدًا في الذاكرة.