ولكننا نعيش، للأسف، زمنًا تبدلت فيه مقاييس كثيرة. زمن يستطيع فيه إعلان ممول أن يصنع «نجمًا» خلال ساعات، وتستطيع حملة على مواقع التواصل أن تحدد لنا من نحب، ومن نصفق له، ومن ننساه. حتى الذائقة الفنية باتت، في بعض الأحيان، بحاجة إلى خوارزمية كي تعرف أين تصفق! وكأن التاريخ لم يعد كافيًا. وكأن الفنان لا يصبح كبيرًا إلا إذا تصدر «الترند»، وكأن ملايين المشاهدات قادرة على اختصار عقود من التجربة والإبداع. والأخطر أن بعض الأصوات الجديدة، التي لم تجد بعد أغنية واحدة تعيش أكثر من موسم، باتت تتجرأ على محاكمة أصوات صنعت ذاكرة أجيال كاملة.
فامتلاك ميكروفون لا يمنح صاحبه بالضرورة حق توزيع شهادات الفن على الكبار. ليلة كان يمكن أن تكون مختلفة
سهرة ميادة الحناوي كان يمكن أن تتحول إلى احتفال حقيقي بالذاكرة الفنية العربية. كان يمكن أن تكون ليلة تقول فيها تونس لميادة: نحن لا ننسى من أعطانا. كان يمكن أن يصعد الفنانون إليها بالورد، وأن يتحدث الموسيقيون عن تجربتها، وأن تستعيد الأجيال بعضًا من أغانيها، وأن يكون الجمهور شريكًا في تكريم فنانة ارتبط اسمها بمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية. كان يمكن أن تكون ميادة ملكة المكان، لا فنانة تدخل المسرح لتخضع من جديد إلى امتحان الصوت والعمر والقدرة على بلوغ النغمات كما كانت تفعل قبل عقود.
فهناك فرق كبير بين أن تصعد الفنانة إلى المسرح لتثبت أنها مازالت قادرة على الغناء، وأن تصعد إليه ليقول لها جمهورها: لقد أعطيتِنا الكثير، واليوم جاء دورنا لنقول لك شكرًا. الفنان الكبير لا يجب أن يدخل المسرح دائمًا في امتحان. أحيانًا يدخل المسرح ليُكرَّم.
تكريم الأحياء، قبل أن يصبحوا ذكرى
من أجمل ما يمكن أن تفعله المؤسسات الثقافية أن تكرّم الفنانين وهم أحياء، وأن تمنحهم وردهم وهم قادرون على رؤيته، لا أن تنتظر رحيلهم لتكتشف فجأة حجم عطائهم. فكم من فنان امتلأت الصحف بعد رحيله بكلمات الوفاء، وكم من صوت تحول بعد الموت إلى «أسطورة»، بينما لم يجد في حياته ما يكفي من التصفيق والتقدير؟ الورد الذي يصل إلى الفنان وهو حي أجمل بكثير من ألف باقة توضع أمام صورته بعد الرحيل.
ومن هنا، تحمل مبادرة وزارة الشؤون الثقافية في تكريم ميادة الحناوي دلالة مهمة، ونتمنى أن تتواصل مثل هذه المبادرات لتشمل كبار نجوم الأغنية العربية والتونسية الذين ساهموا في تشكيل الوجدان الموسيقي لأجيال. فتكريم الكبار ليس مجاملة لهم. إنه احترام لذاكرتنا نحن.
ميادة ليست صوتًا فقط
قد يختلف صوت ميادة اليوم عن صوتها في سنوات الشباب… وهذا طبيعي. فالزمن لا يستثني أحدًا، والجسد الذي حمل الصوت لعقود له حقه في التعب، والنبرة التي كانت تحلق في أعلى المقامات قد تتغير مع السنوات.
لكن هناك شيئًا لا يستطيع الزمن أن يغيره: التاريخ. يمكن للزمن أن يغيّر طبقة الصوت، لكنه عاجز عن محو أغنية صادقة من ذاكرة الناس. ومكانة ميادة الحناوي في الأغنية العربية لا تُقاس بقدرتها على تكرار ما كانت تقدمه قبل أربعين عامًا، وإنما بما تركته تلك السنوات في وجدان المستمع العربي. «الحب اللي كان»، «أنا بعشقك»، «نعمة النسيان» وغيرها من الأعمال ليست مجرد أغانٍ مرت وانتهت. إنها جزء من ذاكرة أجيال، ومن زمن كانت فيه الأغنية مشروعًا فنيًا متكاملًا، يلتقي فيه الشاعر والملحن والمطرب والموسيقي لصناعة عمل قادر على البقاء.
ولهذا، فإن محاكمة ميادة اليوم فقط من زاوية الأداء الصوتي تشبه محاكمة كتاب عظيم بعدد الصفحات التي يستطيع مؤلفه قراءتها بصوت مرتفع.
شكرًا يا ميادة
ربما كانت الرسالة الأجمل التي كان ينبغي أن تحملها تلك الليلة بسيطة جدًا: شكرًا يا ميادة. شكرًا لأنك كنت جزءًا من وجدان أجيال. شكرًا لأن صوتك رافق قصص الحب، والفرح، والحنين، والانكسار. شكرًا لأنك أعطيتِ للأغنية العربية سنوات من عمرك، ولأنك مازلتِ بيننا حتى نستطيع أن نقدم لك وردة بأيدينا، لا أن نضعها يومًا أمام صورة مؤطرة.
أما صوت ميادة…
فقد يتعب صاحبه، وقد تتغير طبقاته، وقد يخذل الجسد صاحبه في لحظة ما. لكن بعض الأصوات لا تغادر المسرح أبدًا. تغادر الخشبة، نعم، لكنها تنتقل من الأذن إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى التاريخ. وميادة الحناوي، ببساطة، واحدة من تلك الأصوات.

