كانت مشاركة محمد خيري في قرطاج تجربته الأولى على هذا المسرح العريق، وأولى مصافحاته مع جمهور يعرف كيف ينصت، وكيف يصفق، وكيف يحاسب الفنان فنيًا. ولم تكن المهمة سهلة، خصوصًا أن ظهوره جاء في ليلة تحمل اسم الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي، بما تمثله من ثقل في الذاكرة الغنائية العربية. فأن تصعد إلى قرطاج للمرة الأولى هو في حد ذاته تحدٍّ، وأن تفعل ذلك في ليلة ميادة الحناوي فهو امتحان مضاعف، أما أن تدخل المسرح وأنت تحمل اسم صباح فخري في مسيرتك الفنية، فذلك يعني أنك تصعد إلى الخشبة وفي ظلك مدرسة غنائية كاملة. لكن محمد خيري لم يكن مطالبًا بأن ينافس ميادة الحناوي، كما لم يكن مطالبًا بأن يكون نسخة عن صباح فخري. كان المطلوب منه أن يكون محمد خيري. وهذه ربما أصعب مهمة يمكن أن يواجهها فنان شاب.
فالانتساب إلى مدرسة فنية كبيرة لا يعني العيش في ظلها إلى الأبد. الفنان الحقيقي يحمل إرث أساتذته، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن صوته الخاص، حتى لا يتحول التكريم إلى تقليد، وحتى لا يصبح الوفاء للتراث مجرد إعادة إنتاج للماضي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، اكتسب حضور محمد خيري إلى جانب ميادة الحناوي معنى رمزيًا جميلًا. فميادة تحمل في صوتها جانبًا من ذاكرة الأغنية السورية والعربية، بينما جاء خيري من مدرسة القدود الحلبية، تلك المدرسة التي جعلت من المقام والإيقاع والقدرة الصوتية عناصر أساسية في بناء الأغنية.
هي صوت ارتبط بذاكرة أجيال، وهو صوت شاب جاء ليؤكد أن التراث ليس متحفًا مغلقًا، وأن الأغنية القديمة يمكن أن تجد طريقها إلى أذن جديدة وجمهور جديد. لكن المشهد الأكثر دلالة ربما كان في إطلالة محمد خيري مرتديًا الجبة التونسية.
سوري يحمل حلب في صوته، يرتدي زيًا تونسيًا، ويقف فوق ركح قرطاج أمام جمهور تونسي. في تلك اللحظة، بدا الفن وكأنه ينجح حيث تعجز السياسة أحيانًا: في جمع الناس حول ذاكرة مشتركة، لا حول حدود تفصل بينهم.
كانت الجبة أكثر من مجرد لباس تقليدي؛ كانت رسالة بصرية تختصر علاقة طويلة بين تونس والمشرق، وتقول إن الفن العربي قادر على أن يعبر المتوسط دون تأشيرة، وأن الموسيقى تستطيع أن تجعل من الاختلاف جسرًا لا حاجزًا.
ثم جاءت أغنية «سيبوني يا ناس» لصباح فخري. هنا بدا الأستاذ حاضرًا رغم غيابه. حاضرًا في المقام، وفي طريقة الأداء، وفي ذلك النفس الطويل الذي يجعل القدود الحلبية تبدو وكأنها ليست مجرد أغانٍ قديمة، بل ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى آخر. وهنا يكمن الفارق بين من يؤدي أغنية، ومن يحمل تراثًا. الفنان الذي يؤدي أغنية يريد أن يتذكره الجمهور، أما الفنان الذي يحمل تراثًا فإنه يعيد الجمهور إلى ذاكرة من سبقوه، ثم يحاول أن يترك بصمته الخاصة فيها. وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوة محمد خيري.
ففي زمن أصبحت فيه الصورة أحيانًا تسبق الصوت، وأصبحت بعض الأصوات تحتاج إلى الكثير من التكنولوجيا كي تبدو كما ينبغي، اختار خيري أن يدخل قرطاج بما هو أبسط وأصعب في الوقت نفسه: صوت حقيقي، مدرسة عريقة، وذاكرة فنية ثقيلة. صوت واحد، لكن وراءه صباح فخري. جبة تونسية، لكن داخلها حلب. ركح قرطاج، وفي مواجهته جمهور يعرف قيمة الطرب. وفي الجهة الأخرى، ميادة الحناوي، واحدة من أبرز الأصوات التي صنعت جزءًا من ذاكرة الأغنية العربية. لم تكن ليلة سهلة.
لكن محمد خيري لم يصعد إلى قرطاج ليأخذ من ميادة الحناوي ليلتها، وإنما ليشاركها ليلة سورية بنكهة تونسية، وليقدم نفسه لجمهور قرطاج من الباب الأصعب: باب الفن. وربما لهذا السبب تحديدًا كانت مشاركته تحمل قيمة تتجاوز مجرد ظهور فنان شاب في مهرجان كبير. كانت مصافحة أولى بين محمد خيري وجمهور قرطاج. والمصافحة الأولى تحمل دائمًا شيئًا من الترقب، وقليلًا من الخوف، وكثيرًا من الأمل. لكن عندما تأتي المصافحة الأولى محمّلة بهذا الصوت، وهذا الإرث، وهذه القدرة على الجمع بين حلب وتونس فوق خشبة واحدة، فإنها قد لا تكون مجرد مصافحة عابرة. قد تكون دعوة إلى لقاء ثانٍ. فقرطاج لا يحتفظ في ذاكرته بكل من مرّ فوق خشبته، لكنه يتذكر جيدًا من ترك في حجاره شيئًا من صوته.

