الغواص مصطفى كساب تحدث عن تجربته في أعماق النيل بمنطقة دندرة، مشيرًا إلى طبيعة استثنائية تجعل عمليات الغوص هناك مختلفة تمامًا عن الغوص في البحار أو المياه الصافية. وبحسب روايته، فإن الغواصين يطلقون على مياه النيل في بعض المناطق وصف «المياه السوداء»، بسبب انعدام الضوء تقريبًا في الأعماق، وهو ما يجعل الرؤية محدودة للغاية، وقد تصل في بعض النقاط إلى درجة يستحيل معها الاعتماد على العين في تحديد الطريق أو البحث عن الأجسام الموجودة في القاع. وتزداد صعوبة المهمة عندما يتعلق الأمر بمناطق ترتبط تاريخيًا بالحضارة المصرية القديمة، مثل دندرة، التي تحتضن واحدًا من أهم المواقع الأثرية في صعيد مصر.
غرف فرعونية تثير علامات الاستفهام
الأكثر إثارة في تصريحات كساب هو حديثه عن وجود ما وصفه بـ«غرف فرعونية» في أعماق النيل بالقرب من معبد دندرة. هذه الرواية، إذا ثبتت ميدانيًا ووثّقتها الجهات الأثرية المختصة، يمكن أن تفتح الباب أمام أسئلة كبيرة حول طبيعة ما يوجد تحت مياه النهر، وكيف وصلت هذه المنشآت أو البقايا إلى تلك المنطقة، وما علاقتها بتاريخ الموقع الأثري المحيط بها. لكن الحديث عن وجود غرف أو منشآت فرعونية تحت المياه يظل، في غياب توثيق أثري رسمي أو مسح علمي مستقل، رواية تحتاج إلى التحقق العلمي، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها اكتشافًا أثريًا مؤكدًا قبل إجراء عمليات بحث ومسح متخصصة.
الغوص في النيل... مهمة بلا رؤية
لا تكمن صعوبة الغوص في النيل في العمق وحده، وإنما في الظروف المحيطة بالغواص. وأوضح كساب أن عمليات البحث عن الغرقى داخل النهر لا تعتمد في كثير من الأحيان على الرؤية، وإنما على خبرة الغواص وقدرته على تحديد الاتجاهات والتعامل مع طبيعة القاع والتيارات. وفي ظل غياب الرؤية، يصبح الغواص عمليًا معتمدًا على حواسه وخبرته في تحديد موقعه، وعلى معرفته الدقيقة بالمنطقة التي يعمل فيها. فكل حركة تحت الماء يجب أن تكون محسوبة، خصوصًا في بيئة لا تسمح للغواص برؤية ما يحيط به.
وهنا يتحول الغوص من نشاط رياضي أو استكشافي إلى اختبار حقيقي للخبرة والقدرة على التحكم في الخوف والارتباك.
دندرة... حيث يلتقي التاريخ بالغموض
وتكتسب الرواية أهمية خاصة بسبب ارتباطها بمنطقة دندرة، التي تعد من أبرز المواقع الأثرية في مصر، ويقف فيها معبد دندرة شاهدًا على عظمة العمارة المصرية القديمة. ولهذا فإن أي حديث عن آثار أو منشآت محتملة في محيط المنطقة يستحق البحث والتدقيق، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بمواقع مغمورة أو أجزاء ربما تغيرت طبيعتها بفعل تحولات مجرى النيل عبر القرون. غير أن المسافة بين «الرواية المثيرة» و«الاكتشاف الأثري» تظل كبيرة؛ فالاكتشاف الحقيقي يحتاج إلى أدلة مادية، ومسح أثري، وتوثيق بالصور والقياسات، ثم دراسة من متخصصين في الآثار والهندسة والجيولوجيا المائية.
هل يخفي النيل أسرارًا لم تُكتشف بعد؟
تصريحات الغواص مصطفى كساب تعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: كم من الأسرار التاريخية لا يزال مخفيًا تحت مياه النيل؟ فالنهر الذي شكّل شريان الحياة للحضارة المصرية القديمة لم يكن مجرد مصدر للمياه، بل كان جزءًا أساسيًا من منظومة النقل والتجارة والطقوس والحياة اليومية. كما أن تغير مجرى النهر عبر آلاف السنين يمكن أن يكون قد أدى إلى غمر أو طمر أجزاء من منشآت قديمة أو نقل بقاياها إلى مناطق مختلفة. لكن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من الروايات وحدها. وإذا كانت هناك بالفعل تراكيب أو غرف أو بقايا معمارية في أعماق النيل بالقرب من دندرة، فإن الخطوة الأهم تتمثل في إخضاعها لمسح علمي متخصص، باستخدام تقنيات الاستشعار والمسح تحت الماء، قبل إطلاق أي حكم نهائي بشأن طبيعتها وتاريخها. وفي انتظار التحقق، تبقى أعماق النيل في دندرة واحدة من المناطق التي تجمع بين رهبة التاريخ وغموض المياه؛ عالم مظلم لا تكشف أسراره بسهولة، وربما لا يزال يخفي تحت طبقاته الطينية آثارًا تنتظر من يملك الشجاعة والعلم للوصول إليها.

