عاجل
ثقافة

محمد خيري صوت حلب، في حضرة ميادة الحناوي

في ليلة ميادة الحناوي، محمد خيري يحمل المشعل
في ليلة ميادة الحناوي، محمد خيري يحمل المشعل

في ليلة ميادة الحناوي، محمد خيري يحمل المشعل

محمد خيري يخوض تجربته الأولى على ركح قرطاج، في ليلة جمعته بالفنانة ميادة الحناوي، حاملاً إرث أستاذه الراحل صباح فخري ومدرسة القدود الحلبية. وبالجبة التونسية وأداء «سيبوني يا ناس»، قدّم الفنان السوري الشاب مصافحة فنية رمزية بين حلب وتونس، مؤكدًا أن التراث يمكن أن يكون جسرًا نحو المستقبل لا مجرد استعادة للماضي.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
في قرطاج، حيث الحجارة تختزن ذاكرة قرون، وحيث لا يسأل المسرح الفنان عن عدد متابعيه بقدر ما يسأله عمّا يستطيع أن يقدمه، كانت لمحمد خيري ليلة مختلفة. ليلة وقف فيها تلميذ مدرسة صباح فخري أمام جمهور تونسي، حاملاً في صوته شيئًا من حلب، وفي أدائه ذاكرة فنية تنتمي إلى زمن كانت فيه قيمة المطرب تُقاس بقوة صوته، وإحساسه، وتمكنه من المقام، لا بعدد المشاهدات أو المؤثرات الرقمية.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

كانت مشاركة محمد خيري في قرطاج تجربته الأولى على هذا المسرح العريق، وأولى مصافحاته مع جمهور يعرف كيف ينصت، وكيف يصفق، وكيف يحاسب الفنان فنيًا. ولم تكن المهمة سهلة، خصوصًا أن ظهوره جاء في ليلة تحمل اسم الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي، بما تمثله من ثقل في الذاكرة الغنائية العربية. فأن تصعد إلى قرطاج للمرة الأولى هو في حد ذاته تحدٍّ، وأن تفعل ذلك في ليلة ميادة الحناوي فهو امتحان مضاعف، أما أن تدخل المسرح وأنت تحمل اسم صباح فخري في مسيرتك الفنية، فذلك يعني أنك تصعد إلى الخشبة وفي ظلك مدرسة غنائية كاملة. لكن محمد خيري لم يكن مطالبًا بأن ينافس ميادة الحناوي، كما لم يكن مطالبًا بأن يكون نسخة عن صباح فخري. كان المطلوب منه أن يكون محمد خيري. وهذه ربما أصعب مهمة يمكن أن يواجهها فنان شاب.

فالانتساب إلى مدرسة فنية كبيرة لا يعني العيش في ظلها إلى الأبد. الفنان الحقيقي يحمل إرث أساتذته، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن صوته الخاص، حتى لا يتحول التكريم إلى تقليد، وحتى لا يصبح الوفاء للتراث مجرد إعادة إنتاج للماضي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، اكتسب حضور محمد خيري إلى جانب ميادة الحناوي معنى رمزيًا جميلًا. فميادة تحمل في صوتها جانبًا من ذاكرة الأغنية السورية والعربية، بينما جاء خيري من مدرسة القدود الحلبية، تلك المدرسة التي جعلت من المقام والإيقاع والقدرة الصوتية عناصر أساسية في بناء الأغنية.

هي صوت ارتبط بذاكرة أجيال، وهو صوت شاب جاء ليؤكد أن التراث ليس متحفًا مغلقًا، وأن الأغنية القديمة يمكن أن تجد طريقها إلى أذن جديدة وجمهور جديد. لكن المشهد الأكثر دلالة ربما كان في إطلالة محمد خيري مرتديًا الجبة التونسية.

سوري يحمل حلب في صوته، يرتدي زيًا تونسيًا، ويقف فوق ركح قرطاج أمام جمهور تونسي. في تلك اللحظة، بدا الفن وكأنه ينجح حيث تعجز السياسة أحيانًا: في جمع الناس حول ذاكرة مشتركة، لا حول حدود تفصل بينهم.

مهرجان قرطاج 2026 يكشف برمجته
إقرأ كذلك
مهرجان قرطاج 2026 يكشف برمجته
نشر يوم 2026-07-12

كانت الجبة أكثر من مجرد لباس تقليدي؛ كانت رسالة بصرية تختصر علاقة طويلة بين تونس والمشرق، وتقول إن الفن العربي قادر على أن يعبر المتوسط دون تأشيرة، وأن الموسيقى تستطيع أن تجعل من الاختلاف جسرًا لا حاجزًا.

ثم جاءت أغنية «سيبوني يا ناس» لصباح فخري. هنا بدا الأستاذ حاضرًا رغم غيابه. حاضرًا في المقام، وفي طريقة الأداء، وفي ذلك النفس الطويل الذي يجعل القدود الحلبية تبدو وكأنها ليست مجرد أغانٍ قديمة، بل ذاكرة حية تنتقل من جيل إلى آخر. وهنا يكمن الفارق بين من يؤدي أغنية، ومن يحمل تراثًا. الفنان الذي يؤدي أغنية يريد أن يتذكره الجمهور، أما الفنان الذي يحمل تراثًا فإنه يعيد الجمهور إلى ذاكرة من سبقوه، ثم يحاول أن يترك بصمته الخاصة فيها. وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوة محمد خيري.

ففي زمن أصبحت فيه الصورة أحيانًا تسبق الصوت، وأصبحت بعض الأصوات تحتاج إلى الكثير من التكنولوجيا كي تبدو كما ينبغي، اختار خيري أن يدخل قرطاج بما هو أبسط وأصعب في الوقت نفسه: صوت حقيقي، مدرسة عريقة، وذاكرة فنية ثقيلة. صوت واحد، لكن وراءه صباح فخري. جبة تونسية، لكن داخلها حلب. ركح قرطاج، وفي مواجهته جمهور يعرف قيمة الطرب. وفي الجهة الأخرى، ميادة الحناوي، واحدة من أبرز الأصوات التي صنعت جزءًا من ذاكرة الأغنية العربية. لم تكن ليلة سهلة.

لكن محمد خيري لم يصعد إلى قرطاج ليأخذ من ميادة الحناوي ليلتها، وإنما ليشاركها ليلة سورية بنكهة تونسية، وليقدم نفسه لجمهور قرطاج من الباب الأصعب: باب الفن. وربما لهذا السبب تحديدًا كانت مشاركته تحمل قيمة تتجاوز مجرد ظهور فنان شاب في مهرجان كبير. كانت مصافحة أولى بين محمد خيري وجمهور قرطاج. والمصافحة الأولى تحمل دائمًا شيئًا من الترقب، وقليلًا من الخوف، وكثيرًا من الأمل. لكن عندما تأتي المصافحة الأولى محمّلة بهذا الصوت، وهذا الإرث، وهذه القدرة على الجمع بين حلب وتونس فوق خشبة واحدة، فإنها قد لا تكون مجرد مصافحة عابرة. قد تكون دعوة إلى لقاء ثانٍ. فقرطاج لا يحتفظ في ذاكرته بكل من مرّ فوق خشبته، لكنه يتذكر جيدًا من ترك في حجاره شيئًا من صوته.

نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة
إقرأ كذلك
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة
نشر يوم 2026-09-18
كلمات مفاتيح : ميادة الحناوي محمد خيري

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد