لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها: حسابات وصفحات لا تتعب من بث الأخبار المقلقة، وتضخيم الأحداث، وتقديم كل تطور على أنه دليل على انهيار الدولة أو فشلها، ثم الانتقال من التشخيص إلى الاتهام، ومن النقد المشروع إلى صناعة الخوف. النقد حق، والمعارضة حق، وحرية التعبير لا تحتاج إلى إذن من أحد. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تنتقد أداء السلطة وأن تتعمد نشر معلومة كاذبة، وبين أن تسأل عن أسباب أزمة وأن تحولها إلى قصة مؤامرة، وبين أن تطالب بالمحاسبة وأن تجعل من الإشاعة وسيلة لتأليب التونسيين على بعضهم البعض. والأخطر أن بعض الخطابات السياسية باتت تتعامل مع كل أزمة وكأنها نهاية العالم.
انقطعت الكهرباء؟ إذن الدولة انهارت. حدث اضطراب في التزويد؟ إذن هناك مؤامرة.
ارتفعت الأسعار؟ إذن لا مستقبل للبلاد. تعطلت خدمة؟ إذن هناك من يريد إسقاط النظام. بهذه الطريقة تتحول الحياة اليومية للتونسيين إلى مادة خام لصناعة الذعر، ويصبح الهاتف المحمول أخطر من محطة إذاعية عندما تتحول المعلومة غير الموثوقة إلى حقيقة يتداولها الآلاف في دقائق. لكن في المقابل، لا يمكن مواجهة الإشاعة بإشاعة مضادة، ولا يمكن بناء الثقة بالصمت. وإذا كانت هناك شبهات فعلية حول بعض الأحداث، فإن الطريق الطبيعي هو التحقيق والكشف والمحاسبة، لا الاكتفاء بالتلميح.
وفي هذا السياق، جاءت إطلالة رئيس الجمهورية قيس سعيد مساء الأحد 2 أوت، ليظهر أمام التونسيين في نشاط ميداني لمتابعة أحد المشاريع الكبرى في مجال البنية التحتية، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن مؤسسات الدولة مستمرة في العمل وأن دواليبها لم تتوقف أمام حملات التشكيك. لكن ظهور الرئيس في صحة جيدة ونشاطه الميداني لا ينبغي أن يكون وحده الرد على ما يُنشر في مواقع التواصل الاجتماعي. الرد الأقوى هو دولة تتحدث بوضوح، تكشف الحقائق، تفسر ما يحدث، وتضع المسؤول عن التقصير أمام مسؤوليته.
أما ما أُثير بشأن الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي في عدد من المناطق، فإن الأمر يستحق بالفعل تحقيقًا جديًا وشفافًا، خصوصًا إذا ثبت وجود تقصير أو أخطاء غير مبررة.
أما القفز مباشرة إلى فرضية التخريب المتعمد أو المؤامرة، فهو أمر يحتاج إلى أدلة لا إلى الانطباعات. وفي المقابل، إذا كشفت التحقيقات عن وجود ممارسات إجرامية أو تخريبية، فالمحاسبة يجب أن تكون صارمة، وأن تطال كل من تثبت مسؤوليته، مهما كان موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها. أما الحديث عن «قرارات تاريخية» و«إجراءات ستصدم الجميع» و«تسونامي من الإقالات»، فيبقى إلى حين صدوره رسميًا مجرد كلام متداول. وفي السياسة، لا تُقاس القرارات بما يقال عنها قبل صدورها، وإنما بما تحققه بعد تنفيذها. لقد سئم التونسيون من الوعود الكبيرة ومن لغة «التاريخ سيذكر» و«المفاجآت الكبرى». ما يريدونه ببساطة هو كهرباء لا تنقطع، وماء يصل إلى البيوت، وأسعار يمكن تحملها، وإدارة تعمل، وقضاء عادل، ومؤسسات تحاسب المقصرين، واقتصاد يمنح الشباب أملًا حقيقيًا.
تونس لا تحتاج إلى مزيد من التخويف، لكنها أيضًا لا تحتاج إلى مزيد من التخدير.
تحتاج إلى الحقيقة.
والحقيقة لا تكون مع السلطة ضد المعارضة، ولا مع المعارضة ضد السلطة؛ الحقيقة تكون مع تونس. أما الذين يريدون تحويل كل أزمة إلى فتنة، وكل اختلاف إلى خيانة، وكل نقد إلى مؤامرة، فعليهم أن يدركوا أن التونسيين ليسوا قطيعًا يساق بمنشور على فيسبوك أو مقطع مجهول المصدر. وفي الوقت نفسه، على الدولة أن تدرك أن أفضل سلاح ضد الإشاعة ليس المنع، وإنما المعلومة.
كلما كانت الدولة واضحة، تراجعت مساحة الإشاعة. وكلما تأخرت المعلومة الرسمية، تمددت الروايات البديلة.
وفي النهاية، فإن بناء تونس الجديدة لا يحتاج إلى التخوين ولا إلى التخويف ولا إلى صناعة الأعداء، بل يحتاج إلى دولة قوية بالقانون، ومؤسسات فعالة، ومحاسبة عادلة، وإعلام مهني، ومواطن قادر على التمييز بين الخبر والرأي والإشاعة. أما الحسابات التي تعيش على نشر الخوف، وتقتات من الأزمات، وتحلم دائمًا بانهيار الدولة، فليس أمامها سوى سؤال بسيط: ماذا ستفعلون عندما تنتهي الإشاعة وتبقى الحقيقة؟

