ووفق بيانات وكالة ناسا، سيكون الكسوف الكلي مرئياً في جنوب إسبانيا وأجزاء من المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر، ثم السعودية واليمن والصومال.
تسع دول على موعد مع الظاهرة
يمتد المسار الكلي للكسوف عبر 9 دول ومناطق رئيسية، هي: المغرب، إسبانيا، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، السعودية، اليمن والصومال، مع تأثر مواقع تابعة لإسبانيا والمملكة المتحدة، من بينها سبتة ومليلية وجبل طارق، ضمن نطاق الظاهرة. وتبدأ رحلة ظل القمر فوق المحيط الأطلسي عند الساعة 08:23 بالتوقيت العالمي تقريباً، قبل أن يصل إلى الأراضي المغربية، مروراً بمنطقة طنجة وتطوان، ثم يتجه نحو جنوب إسبانيا وجبل طارق.
وفي المغرب، تزداد مدة الكسوف الكلي تدريجياً مع تقدم الظل نحو الشرق، لتتجاوز خمس دقائق في منطقة تقع شرق تطوان بقليل، قبل أن ينتقل المسار إلى الجزائر، حيث تشمل المناطق الواقعة ضمن مسار الكلية أو القريبة منه مدناً ومناطق بينها وهران وتلمسان والبليدة وسطيف وباتنة وبسكرة. أما الجزائر العاصمة وقسنطينة، فستكونان قريبتين جداً من الحد الشمالي لمسار الكلية، مع تغطية جزئية تقارب 99.9%، وهو ما يبرز أهمية اختيار الموقع بدقة بالنسبة للراغبين في مشاهدة اللحظة الكلية.
تونس في قلب الحدث الفلكي
بعد الجزائر، يعبر ظل القمر الأراضي التونسية من الوسط باتجاه الشرق والجنوب الشرقي، لتدخل عدة مناطق تونسية ضمن مسار الكسوف الكلي. وبحسب المعطيات المعتمدة للمسار، تشمل أبرز المناطق التونسية: القصرين وقفصة وسيدي بوزيد والقيروان والمهدية وقابس، أي 6 مناطق رئيسية مذكورة صراحة ضمن المعطيات، إلى جانب صفاقس التي ستكون قريبة جداً من خط المركز، إذ يمر خط المركز على مسافة تقارب 18 كيلومتراً شمال المدينة وفق المعطيات المقدمة. وتؤكد الحسابات الفلكية أن تونس ستكون فعلاً ضمن مسار الكسوف الكلي في 2 أغسطس 2027، فيما تشير بيانات متخصصة إلى أن صفاقس ستكون من أبرز المواقع التونسية للمشاهدة، مع إمكانية بلوغ مدة الكلية فيها أكثر من خمس دقائق ونصف.
أما أقصى مدة للكسوف الكلي على الأراضي التونسية، فتصل وفق المعطيات الفلكية إلى نحو 5 دقائق و48 ثانية في منطقة تقع إلى الجنوب من جزر قرقنة، وهي مدة استثنائية تجعل تونس من المواقع الجذابة جداً لهواة الفلك والمصورين والسياح المتخصصين في متابعة الكسوفات. والأهم أن هذا الحدث سيكون تاريخياً بالنسبة إلى تونس؛ إذ إن آخر كسوف شمسي كلي شوهد من الأراضي التونسية يعود إلى 30 أوت 1905، أي أن البلاد ستستقبل الظاهرة بعد أكثر من 122 عاماً.
لماذا سيكون كسوف 2027 مختلفاً؟
السبب الفلكي وراء قوة هذا الكسوف يرتبط بالمسافة بين الأرض والقمر. فالكسوف سيحدث بعد 354 يوماً فقط من كسوف 12 أوت 2026. وهذه المدة قريبة من 12 شهراً قمرياً و13 شهراً دراكونياً، لكنها ليست مساوية لعدد صحيح من الأشهر الشاذة المرتبطة بمسافة القمر عن الأرض. والنتيجة أن القمر في 2 أوت 2027 سيكون أقرب إلى الأرض مقارنة بالكسوف السابق، ما يسمح لظله بأن يكون أكبر على سطح الأرض، وبالتالي يطيل مدة مرحلة الكسوف الكلي. ولهذا السبب تحديداً سيكون كسوف 2027 من الظواهر الفلكية اللافتة، إذ تبلغ مدة الكلية في مصر أكثر من 6 دقائق، وتصل في إحدى نقاط المسار إلى نحو 6 دقائق و27 ثانية وفق المعطيات الواردة، وهي مدة تسمح للراصدين بالاستمتاع بصورة أكثر وضوحاً بتاج الشمس والظواهر المصاحبة للكسوف. ومن تونس إلى مصر، يصبح المسار بذلك أشبه بممر فلكي سياحي يمتد عبر واحدة من أغنى مناطق العالم تاريخياً وثقافياً.
مصر تسجل الرقم القياسي
بعد عبور تونس وليبيا، يصل ظل القمر إلى مصر، حيث يبلغ الكسوف ذروته من حيث مدة الكلية. وتصل المدة القصوى في منطقة الدوايمرية شمال شرقي إدفو إلى حوالي 6 دقائق و27 ثانية، فيما يصل عرض شريط الكلية إلى نحو 277 كيلومتراً. كما ستكون مناطق مثل الأقصر وأسيوط ضمن نطاق الكسوف الكلي، قبل أن يعبر ظل القمر البحر الأحمر متجهاً نحو السعودية، مروراً بمناطق قريبة من جدة ومكة، ثم يصل إلى اليمن، ومنها إلى صنعاء، قبل أن ينتهي مساره فوق شمال شرقي الصومال ثم المحيط الهندي عند حوالي 11:49 بالتوقيت العالمي.
تونس أمام فرصة سياحية واستثمارية ضخمة
لكن بعيداً عن الجانب الفلكي والعلمي، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى تونس هو: هل ستتعامل مع كسوف 2027 كحدث فلكي عابر، أم كفرصة اقتصادية وسياحية نادرة؟ الإجابة يجب أن تكون واضحة: هذا الحدث يمكن أن يتحول إلى منتج سياحي متكامل. فتجربة الكسوف الكلي لا تجذب علماء الفلك وحدهم، وإنما تستقطب المصورين، والهواة، والعائلات، ووكالات السفر، ومجموعات الرحلات العلمية، وصناع المحتوى، والإعلاميين، ومحبي التجارب السياحية النادرة.
والدليل أن كسوف 12 أوت 2026 خلق بالفعل اهتماماً سياحياً واسعاً في إسبانيا، مع تدفق أعداد كبيرة من الزوار وحجوزات مبكرة مرتبطة مباشرة بمسار الكسوف. وتونس تملك، فوق الظاهرة الفلكية، عناصر جذب إضافية يصعب على وجهات أخرى منافستها: قرطاج، الجم، القيروان، سيدي بوزيد، القصرين، الصحراء، جربة، قرقنة، المهدية، قابس، مطماطة وغيرها. أي أن السائح يمكن أن يأتي من أجل الكسوف، لكنه يستطيع أن يقضي أياماً أو أسبوعاً أو أكثر في تونس لاكتشاف وجهات سياحية وثقافية وطبيعية متعددة.
الفرصة الحقيقية تبدأ إذا جرى التعامل مع الحدث مبكراً، عبر إعداد خطة وطنية لسياحة الكسوف. ويمكن لتونس تطوير عروض خاصة تجمع بين مشاهدة الكسوف والإقامة في الفنادق والمنتجعات، وتنظيم رحلات إلى أفضل نقاط الرصد، وإقامة مخيمات فلكية، وتوفير وسائل نقل جماعية إلى المناطق الواقعة على خط الكلية، إلى جانب تنظيم مهرجانات موسيقية وثقافية ومعارض علمية وأسواق للحرف والصناعات التقليدية. كما يمكن لمدن مثل صفاقس والمهدية وقابس والقيروان وجربة وقرقنة أن تتحول إلى نقاط استقبال رئيسية للسياح، فيما يمكن للجنوب التونسي أن يقدم تجربة مختلفة تجمع بين السماء المظلمة والصحراء والنجوم والكسوف.
وهنا تحديداً تكمن فرصة استثمارية كبيرة للفنادق ووكالات الأسفار والمطاعم والنقل السياحي والمرشدين وأصحاب المشاريع الثقافية والحرفيين ومشغلي الرحلات البحرية والجوية.
هل تستطيع تونس استقبال ملايين الزوار؟
سبق أن دعا الأستاذ هشام بن يحيى، أستاذ التأطير العلمي بمدينة العلوم ونائب رئيس الجمعية التونسية لعلوم الفلك، إلى الاستعداد المبكر للحدث واستغلاله على المستويات العلمية والاقتصادية والسياحية والثقافية، وطرحت تصريحات إعلامية تقديرات متفائلة بإمكانية أن يجذب الحدث أعداداً ضخمة من السياح، وصلت في بعض التقديرات إلى 10 ملايين زائر.
لكن الرقم، مهما كان جذاباً، يجب التعامل معه باعتباره تقديراً طموحاً وليس نتيجة مضمونة. فالاستفادة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الوافدين، وإنما أيضاً بمدة إقامتهم، وحجم إنفاقهم، ونسبة إشغال الفنادق، وعدد الرحلات، والعائد على المؤسسات السياحية والخدماتية، ولا ينبغي انتظار سنة 2027 للبدء في التفكير.
التخطيط يبدأ من الآن
إذا أرادت تونس أن تنافس المغرب والجزائر ومصر وغيرها من الدول الواقعة على مسار الكسوف، فإن عليها أن تبدأ منذ الآن في إعداد خريطة دقيقة لأفضل مواقع الرصد، وتحديد طاقة الإيواء والنقل، وتحسين البنية التحتية في المناطق المعنية، والترويج الدولي للحدث، وإطلاق منصة إلكترونية متعددة اللغات، والتنسيق بين وزارات السياحة والنقل والثقافة والداخلية والاتصالات والعلوم. كما سيكون من الضروري تدريب المرشدين السياحيين وتنظيم برامج خاصة لعلم الفلك، وضمان توفر النظارات الشمسية المعتمدة ومستلزمات الرصد، مع حملات توعية واسعة حول مخاطر النظر المباشر إلى الشمس.
والأهم هو أن تتحول تونس من مجرد مكان يمر فوقه الكسوف إلى وجهة عالمية لمشاهدة الكسوف. فالحدث لن يتكرر في تونس كل عام، بل إن آخر كسوف كلي شوهد من البلاد يعود إلى 1905. وهذه وحدها قيمة تسويقية هائلة. إن 2 أوت 2027 ليس مجرد موعد في أجندة علماء الفلك، إنه موعد يمكن أن تلتقي فيه السماء بالاقتصاد والسياحة والثقافة والاستثمار. وبينما سيغطي القمر الشمس لبضع دقائق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل تونس منذ الآن هو: هل نكتفي بمشاهدة الظلام الذي سيغطي سماءنا، أم نستثمر الضوء السياحي والاقتصادي الذي يمكن أن يصنعه هذا الحدث؟

