لم تعد مسألة توفر قوارير المياه المعدنية مجرد ملاحظة عابرة يطرحها المستهلك عند دخوله إلى أحد الفضاءات التجارية، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مشهد يتكرر يوميًا: رفوف تُملأ في ساعات الصباح، ثم سرعان ما تتراجع الكميات المعروضة أو تختفي بالكامل بعد وقت قصير. وخلال جولة في عدد من المساحات التجارية الكبرى بوسط العاصمة وضواحيها، كان السؤال الأكثر ترددًا بين المواطنين: أين اختفت المياه المعدنية؟ المفارقة أن بعض الفضاءات التجارية عمدت بالفعل إلى تحديد عدد القوارير أو الحزم التي يمكن لكل حريف اقتناؤها، في محاولة للحد من عمليات الشراء المكثف والمحافظة على الحد الأدنى من التوزيع. ومع ذلك، فإن الكميات المتوفرة لا تبدو قادرة على مواكبة الطلب المتزايد، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة والاستهلاك الكبير للمياه خلال فصل الصيف.
انقطاع الكهرباء... تفسير حاضر بقوة
عند الاستفسار من العاملين والمسؤولين عن التزويد بعدد من الفضاءات التجارية، تتكرر الإجابة نفسها تقريبًا: الإنتاج تراجع، والسبب يعود بدرجة كبيرة إلى اضطرابات الكهرباء التي أثرت في عدد من وحدات التعليب. وهذا التفسير لم يعد مجرد حديث متداول بين المستهلكين، إذ أكدت معطيات منشورة في نهاية يوليو وجود نقص فعلي في توفر المياه المعلبة، مع تأكيد مهنيين أن موجة الحر الاستثنائية أدت إلى ارتفاع الطلب بنحو 30% مقارنة بالمستويات الصيفية المعتادة، بالتزامن مع اضطرابات كهربائية أثرت على بعض وحدات الإنتاج. كما أفادت مصادر مهنية بأن المخزونات التي تم إعدادها لمواجهة ذروة الاستهلاك لم تكن كافية أمام هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب وتعطل أو تباطؤ الإنتاج في بعض الوحدات. لكن بالنسبة إلى المستهلك، تبقى هناك أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها.
وإذا كان السبب هو الإنتاج، فلماذا تتوفر المشروبات الغازية؟
المواطن الذي يجد صعوبة في العثور على قارورة مياه معدنية في بعض المساحات التجارية، قد يجد في المقابل رفوفًا ممتلئة بأنواع مختلفة من المشروبات الغازية والمشروبات المعلبة. وهذا الوضع يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مشروع: إذا كانت المشكلة مرتبطة بالمياه وبالإنتاج وبالكهرباء، فكيف تستمر وفرة منتجات غذائية وصناعية تعتمد أيضًا على عمليات إنتاج وتعبئة ونقل وتوزيع؟ بطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار هذه المفارقة وحدها دليلًا على وجود احتكار أو مضاربة، فلكل قطاع سلاسل إنتاج وتخزين وتوزيع مختلفة، كما أن المياه المعدنية تخضع لظروف إنتاج ومصادر وعمليات تعليب خاصة. لكن المقارنة تظل كافية لطرح السؤال على الجهات الرقابية: هل المشكلة بالفعل مشكلة إنتاج فقط؟ أم أن هناك اختلالات أخرى في مسالك التوزيع تستحق التدقيق؟
أرقام الإنتاج تطمئن، لكن الرفوف تقول شيئًا آخر
في المقابل، جاءت تصريحات رسمية ومهنية لتؤكد أن القطاع لا يعاني من انهيار في قدراته الإنتاجية. فقد أشارت مسؤولة بالديوان الوطني للمياه المعدنية إلى أن الطاقة الإجمالية لوحدات التعليب تبلغ نحو 520 ألف قارورة في الساعة، مع تقدير الحاجيات اليومية خلال فترات الذروة بنحو 10 ملايين لتر. كما أكدت أن أسعار المياه المعدنية عند مستوى الإنتاج لم تشهد زيادة. لكن المواطن لا يتعامل مع الأرقام النظرية، وإنما مع ما يجده أمامه في المتجر.
فإذا كانت القدرة الإنتاجية متوفرة، وإذا كانت الأسعار عند مستوى الإنتاج مستقرة، فلماذا لا تصل الكميات المطلوبة بانتظام إلى نقاط البيع؟ هنا تبرز أهمية تتبع السلسلة كاملة: من المصنع إلى الموزع، ومن الموزع إلى المساحات التجارية، وصولًا إلى المستهلك.
الاحتكار، اتهام خطير يحتاج إلى دليل
الحديث عن الاحتكار والمضاربة أصبح حاضرًا بقوة في الشارع، خصوصًا مع اختفاء بعض المنتجات الأساسية أو ندرتها في فترات قصيرة. لكن من المهم التمييز بين النقص الناتج عن ارتفاع الطلب وتعطل الإنتاج وبين الاحتكار المتعمد أو حجب السلع بهدف رفع الأسعار.
الأخير يحتاج إلى إثباتات ورقابة ميدانية وفواتير ومسالك توزيع واضحة، وليس فقط إلى انطباعات المستهلكين. ومع ذلك، فإن مجرد وجود شكوك واسعة لدى المواطنين يستوجب تدخل أجهزة الرقابة، ليس فقط لمعاقبة المخالف إن وُجد، وإنما أيضًا لطمأنة المستهلك وكشف حقيقة ما يجري.
المياه ليست سلعة عادية
المياه، خصوصًا خلال موجات الحر، ليست منتجًا ثانويًا يمكن للمواطن الاستغناء عنه بسهولة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، وتزامن الصيف مع موسم الأعراس والحفلات والأنشطة السياحية، تصبح المياه المعلبة عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، كما تتضاعف الحاجة إليها في المطاعم والمقاهي والفنادق ووسائل النقل السياحي والملاهي والفضاءات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المواطنين والسياح. ومن هنا تأتي خطورة أن يتحول النقص المؤقت إلى فرصة لبعض الانتهازيين لرفع الأسعار خارج الأطر القانونية. فالمواطن قد يقبل أن يدفع السعر الرسمي ويجد القارورة، لكنه لن يقبل أن تتحول الحاجة إلى الماء إلى وسيلة لاستنزاف قدرته الشرائية.
وماذا عن البسكويت؟
اللافت أن بعض العاملين في الفضاءات التجارية يتحدثون أيضًا عن تقلص كميات بعض المنتجات الأخرى، ومنها البسكويت، مع تقديم حجج مرتبطة بالتزويد والإنتاج. لكن تكرار سيناريو النقص في أكثر من منتج غذائي يفرض على أجهزة الرقابة أن تطرح سؤالًا أكبر: هل نحن أمام اضطرابات مؤقتة في سلاسل التزويد، أم أن بعض المسالك التجارية بدأت تشهد ممارسات تستوجب التدقيق؟ الإجابة لا تكون بالتخمين، بل بالمعاينة والرقابة وتتبع الفواتير والمخزونات والكميات الخارجة من المصانع والواصلة إلى الموزعين ونقاط البيع. المطلوب: مخزون استراتيجي ورقابة على مسالك التوزيع.
ما تحتاجه تونس اليوم ليس فقط بيانات لطمأنة المواطن، وإنما خطة واضحة تضمن عدم تكرار الأزمة.
ومن بين الإجراءات التي تبدو ضرورية، تعزيز المخزون الاحتياطي للمياه المعلبة خلال فترات الذروة، ووضع آليات أسرع للتدخل عند حدوث اضطرابات في الإنتاج أو الكهرباء، إلى جانب تكثيف الرقابة على مسالك التوزيع.
كما أن من المهم مراقبة الأسعار في مختلف نقاط البيع، وخاصة في الأماكن التي ترتفع فيها الحاجة إلى المياه خلال موسم الصيف، مثل المطاعم والمقاهي والملاهي وقاعات الحفلات والفضاءات السياحية. فالرقابة لا يجب أن تبدأ بعد ارتفاع الأسعار، وإنما منذ لحظة خروج المنتج من المصنع.
المواطن يريد جوابًا واضحًا
المستهلك التونسي لا يبحث عن نظرية مؤامرة، ولا يريد الدخول في معارك على مواقع التواصل الاجتماعي.
هو يريد ببساطة أن يدخل إلى المتجر ويجد الماء، وأن يدفع ثمنه العادي، وأن يطمئن إلى أن حاجته إلى مادة أساسية لن تتحول إلى فرصة للاستغلال. وإذا كانت أزمة المياه المعلبة ناجمة عن موجة الحر وارتفاع الطلب واضطرابات الكهرباء وتأثر الإنتاج، فليكن ذلك واضحًا وموثقًا للرأي العام، ولتُشرح الإجراءات المتخذة لمعالجة الخلل. أما إذا كشفت عمليات الرقابة عن تلاعب أو تخزين أو مضاربة أو خلل في التوزيع، فالقانون يجب أن يأخذ مجراه. المطلوب اليوم هو الشفافية قبل الاتهام، والرقابة قبل الأزمة، والتدخل قبل أن يتحول النقص المؤقت إلى سوق سوداء. فالماء ليس ترفًا، ولا مادة يمكن للمستهلك أن يؤجل شراءها إلى الأسبوع المقبل. وفي صيف ترتفع فيه درجات الحرارة، وتزداد فيه الحركة السياحية والاجتماعية، فإن ضمان توفر المياه المعلبة بأسعار معقولة ليس مجرد مسألة تجارية، بل هو جزء من حماية المستهلك وتأمين انتظام الحياة اليومية.
ويبقى السؤال مطروحًا أمام الجهات المعنية: هل ما نعيشه أزمة إنتاج عابرة ستنتهي بعودة نسق التزويد، أم أن هناك اختلالات في مسالك التوزيع تستوجب كشفها؟ الإجابة يجب ألا تتأخر، لأن المواطن هو في النهاية من يدفع ثمن أي خلل... سواء كان سببه عطلًا في آلة، أو انقطاعًا في الكهرباء، أو خللًا في التوزيع، أو استغلالًا غير مشروع لحاجة الناس.

