وعاش جمهور التضامن ليلة فنية مميزة، تنقّل خلالها العرض بين أنماط موسيقية وغنائية مختلفة، في محاولة لاستعادة جزء من الذاكرة الموسيقية التونسية وتقديمها برؤية معاصرة تحافظ على روحها الأصيلة، وسط تفاعل جماهيري لافت وحفاوة كبيرة من الحاضرين. وواصل الفنان نصر علي من خلال «الربخة» تأكيد رهانه على الأغنية التونسية، من خلال إعادة تقديم عدد من ملامح التراث الموسيقي الوطني في قالب فني يجمع بين الأصالة والتجديد. وهي رؤية تسعى إلى إبقاء الذاكرة الموسيقية حاضرة لدى الأجيال الجديدة، بعيدًا عن الجمود، ومن خلال فرجة قادرة على مخاطبة الجمهور بمختلف فئاته.
أما الفنانة عفاف سالم، فقد أضفت على العرض حضورًا مميزًا، وأسهمت مشاركتها في إثراء السهرة وإضفاء مزيد من التنوع على فقراتها، لتنسجم مختلف العناصر الفنية في لوحة واحدة تجمع الصوت والموسيقى والاستعراض. وكان للفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو علاء الدين عطية الله حضور أساسي في نجاح العرض، إذ قدمت أداءً موسيقيًا متماسكًا منح السهرة إيقاعها وحيويتها، وساعد على خلق الانسجام بين مختلف فقرات «الربخة».
ولم يكن نجاح العرض رهين الأداء الغنائي والموسيقي فقط، بل ساهمت مختلف عناصر الفرجة في تقديم عمل متكامل استطاع أن يحافظ على تفاعل الجمهور من بداية السهرة إلى نهايتها، ليؤكد أن العمل الفني القائم على الهوية والذاكرة يمكن أن يجد طريقه بسهولة إلى الجمهور عندما يُقدَّم بلغة فنية جديدة.
وبين تفاعل الحاضرين وحفاوة الجمهور، بدت «الربخة» أكثر من مجرد عرض موسيقي؛ إنها تجربة فنية تراهن على إعادة الاعتبار للأغنية التونسية، واستحضار الذاكرة الجماعية، وتقديمها في قالب يجمع بين الأصالة وروح العصر. وبهذا النجاح، يواصل نصر علي تأكيد اختياره الفني، واضعًا الأغنية التونسية في صميم مشروعه، بينما أثبتت «الربخة» أن الأصالة لا تعني العودة إلى الماضي فقط، بل يمكن أن تكون مادة لصناعة فرجة جديدة، قادرة على مخاطبة الجمهور وترك أثر في ذاكرته ووجدانه.

