لكن التطورات الأخيرة تحتاج إلى قراءة دقيقة بعيداً عن العناوين المثيرة التي تتحدث عن «محاكمة فاوتشي في ثلاث ولايات» أو صدور حكم بسجنه. فحتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة على توجيه اتهام جنائي إلى فاوتشي من ثلاث ولايات، كما أنه لم يصدر بحقه حكم بالسجن.
التطور الفعلي وقع في 6 أوت 2026، عندما صوتت لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ الأمريكي، التي يرأسها السيناتور الجمهوري راند بول، بأغلبية 8 مقابل 5 على اعتبار فاوتشي في حالة ازدراء للكونغرس، بعد رفضه الإجابة عن أسئلة خلال جلسة تحقيق بشأن جائحة كوفيد-19.
لماذا رفض فاوتشي الإجابة؟
خلال جلسة الاستماع، لجأ فاوتشي أكثر من 100 مرة إلى التعديل الخامس للدستور الأمريكي، الذي يمنح الشخص حق عدم تقديم إجابات قد تعرضه لخطر التجريم الذاتي. ويرى راند بول والجمهوريون الداعمون للإجراء أن فاوتشي لم يكن مبرراً له استخدام هذا الحق، خصوصاً في ضوء العفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس السابق جو بايدن عام 2025، والذي شمل أفعالاً مرتبطة بفترة فاوتشي الحكومية حتى جانفي 2025.
لكن فاوتشي ومحاميه قدما تفسيراً مختلفاً، معتبرين أن استدعاء التعديل الخامس كان إجراءً دستورياً مشروعاً، خصوصاً في ظل التصريحات العلنية السابقة التي طالب فيها بعض خصومه بملاحقته جنائياً. وقد وصف محاميه التحرك ضده بأنه ذو دوافع سياسية.
إحالة إلى وزارة العدل، ولكن لا توجد محاكمة بعد
بعد تصويت اللجنة، أعلن راند بول عزمه إحالة ملف ازدراء الكونغرس إلى وزارة العدل، مطالباً باتخاذ إجراءات جنائية ضد فاوتشي. وقد أكدت وزارة العدل استلام الإحالة، لكنها لم تعلن أنها قررت توجيه اتهام إلى فاوتشي، فيما يشير خبراء قانونيون إلى وجود تساؤلات حول الإجراء نفسه، من بينها ما إذا كانت إحالة لجنة في مجلس الشيوخ، من دون تصويت كامل المجلس، كافية قانوناً لفتح مسار جنائي. كما أن وزارة العدل ليست ملزمة بالضرورة بمتابعة الإحالة.
وبالتالي، فإن الحديث عن «محاكمة فاوتشي» أو «سجنه» سابق لأوانه. ما حدث حتى الآن هو تصعيد سياسي وقانوني وإحالة إلى وزارة العدل، وليس إدانة قضائية.
من أين جاءت قصة الـ51 عاماً؟ ربما يكون أحد مصادر الالتباس في المعلومات المتداولة هو قضية ديفيد مورينز، المستشار السابق في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، والذي عمل لسنوات مستشاراً رفيعاً في عهد فاوتشي. ففي أفريل 2026، وجهت وزارة العدل الأمريكية إلى مورينز اتهامات اتحادية تتعلق بالتآمر ضد الولايات المتحدة وتدمير أو تغيير أو إخفاء سجلات حكومية، في قضية مرتبطة بمحاولات مزعومة لتجنب طلبات الحصول على المعلومات العامة المتعلقة بأبحاث كوفيد-19. وبحسب لائحة الاتهام، يمكن أن تصل العقوبات النظرية القصوى لمجموع التهم إلى 51 عاماً من السجن، لكن هذا رقم يمثل الحد الأقصى النظري للعقوبات وليس حكماً صدر بالفعل، كما أن مورينز نفسه لم تتم إدانته بعد. وتؤكد وزارة العدل أن لائحة الاتهام ليست حكماً بالإدانة وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
ماذا تقول قضية مورينز عن مرحلة كوفيد؟
تكمن أهمية قضية مورينز في أنها تعيد فتح ملف التعامل مع الوثائق الحكومية خلال السنوات الأولى للجائحة. وتتهمه وزارة العدل باستخدام حسابات بريد إلكتروني شخصية لتجنب الخضوع لقواعد قانون حرية المعلومات، وإخفاء أو تغيير أو إتلاف سجلات مرتبطة بأبحاث فيروس كورونا ومنح بحثية. وتقول الوزارة إن التحقيقات كشفت عن جهود هدفت إلى إخفاء بعض الاتصالات المتعلقة بالأبحاث المثيرة للجدل حول أصول الفيروس، بينما يؤكد الجانب الآخر أن القضية لا تثبت بحد ذاتها نظرية محددة بشأن أصل الفيروس أو تورط فاوتشي في ارتكاب جريمة.
كما أن لائحة الاتهام ضد مورينز لا تعني تلقائياً توجيه اتهام إلى فاوتشي، الذي لم يُتهم في هذه القضية.
ترامب يدخل على الخط
التصعيد لم يبق داخل أروقة الكونغرس فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن في 6 أوت دعمه لفكرة ملاحقة فاوتشي، وقال إنه يعتقد أنه ينبغي محاكمته، متبنياً بذلك الدعوات التي أطلقها راند بول بعد جلسة الاستماع. ويأتي هذا الموقف في سياق صراع سياسي مستمر داخل الولايات المتحدة حول مسؤولية إدارة جائحة كورونا، وحول الإغلاقات واللقاحات، وأصل الفيروس، والتمويل الأمريكي لأبحاث فيروسات كورونا، ومدى شفافية المسؤولين الحكوميين خلال تلك المرحلة.
فاوتشي شخصية سياسية مثيرة
يصعب فصل الجدل الحالي عن المكانة الاستثنائية التي اكتسبها فاوتشي خلال جائحة كوفيد-19. فالرجل الذي ترأس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية لعقود تحول خلال الجائحة إلى أحد أبرز الوجوه العلمية في الولايات المتحدة، وظهر بصورة شبه يومية في وسائل الإعلام لتفسير تطورات الفيروس والسياسات الصحية.
لكن هذه الشهرة جعلته أيضاً هدفاً لانتقادات شديدة، خصوصاً من المحافظين الذين يتهمونه بإخفاء معلومات عن أصل الفيروس، والتقليل من أهمية فرضية التسرب المخبري، والمساهمة في سياسات صحية اعتبروها مفرطة. في المقابل، يرى أنصاره أن كثيراً من هذه الاتهامات تحولت إلى معركة سياسية، وأن القرارات الصحية خلال الجائحة اتخذت في ظل ظروف استثنائية ومعلومات علمية كانت تتغير مع تطور المعرفة بالفيروس.
ولهذا فإن التصعيد الحالي لا يتعلق بشخص فاوتشي وحده، وإنما يعكس صراعاً أوسع على تفسير ما حدث خلال جائحة كوفيد-19 ومن يتحمل المسؤولية السياسية والعلمية عنه.
كشف الحقيقة أم معركة سياسية؟
يرى الجمهوريون أن التحقيقات الجديدة ضرورية لمحاسبة مسؤولين أخفوا معلومات أو لم يتعاملوا بشفافية مع الكونغرس والرأي العام، بينما يعتبر الديمقراطيون وأنصار فاوتشي أن استخدام صلاحيات الكونغرس بهذه الطريقة يتحول إلى أداة للضغط السياسي. وفي السياق نفسه، حذر منتقدون للإجراء من أن معاقبة مسؤول سابق بسبب تمسكه بحق دستوري في عدم تجريم نفسه قد تخلق سابقة خطيرة بالنسبة إلى الشهود الذين يمثلون أمام الكونغرس. ومن جهة أخرى، فإن وجود قضايا جنائية حقيقية، مثل قضية مورينز، يجعل من الضروري عدم الخلط بين التحقيق في سلوك إداري أو جنائي محدد وبين إصدار حكم شامل على إدارة الجائحة أو على صحة نظرية معينة بشأن أصل الفيروس.
الملف لم يغلق
ما يحدث في واشنطن لا يعني أن فاوتشي أصبح متهماً جنائياً أو أن سجنه بات أمراً محسوماً. لكن التطورات الأخيرة ترفع مستوى المخاطر القانونية والسياسية المحيطة به. فوزارة العدل تملك الآن إحالة لجنة مجلس الشيوخ، والرئيس ترامب أعلن تأييده للملاحقة، بينما يواصل الجمهوريون التحقيق في ملفات مرتبطة بالجائحة وأصول الفيروس. وفي المقابل، يبقى السؤال القانوني الأساسي: هل يمكن تحويل رفض فاوتشي الإجابة مستنداً إلى التعديل الخامس إلى جريمة ازدراء للكونغرس، وما مدى قوة الإجراء الذي اتخذته لجنة مجلس الشيوخ من دون تصويت كامل المجلس؟
وهذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى قضية قضائية حقيقية أم سيبقى في حدود المواجهة السياسية. أما المؤكد حتى الآن، فهو أن اسم أنتوني فاوتشي عاد إلى قلب واحدة من أكثر المعارك السياسية استقطاباً في الولايات المتحدة، وأن إرث جائحة كورونا لم ينته بانحسار الفيروس؛ بل يبدو أن المعركة حول المسؤولية والشفافية وأصول الجائحة قد بدأت فصلاً قانونياً وسياسياً جديداً.

