المقترح الذي كشف عنه ميلي في إطار حزمة إصلاحات اقتصادية جديدة، يتضمن ما وصفته وسائل إعلام أرجنتينية بـ«القيد المالي» أو «grillete fiscal»، ويهدف إلى جعل التوازن المالي قاعدة ملزمة لا يمكن للحكومات تجاوزها بسهولة. وبموجب المقترح، يمكن أن تصل الإجراءات إلى تعليق رواتب الرئيس ونائب الرئيس والوزراء وأعضاء البرلمان إذا دخلت المالية العامة في حالة عجز ولم تتم معالجة الخلل خلال المهلة المحددة. كما يتضمن المقترح تجميد نفقات جديدة، ووقف التعاقدات، والحد من التوظيف في الدولة، ووقف بعض التحويلات التقديرية إلى المقاطعات إلى حين استعادة التوازن المالي.
«إذا لم توجد أموال... لا توجد رواتب»
الفكرة التي يطرحها ميلي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل رسالة سياسية قوية: إذا كانت خزينة الدولة لا تستطيع تمويل نفسها من دون عجز، فلماذا يستمر المسؤولون في الحصول على زيادات ورواتب كاملة وكأن الوضع الاقتصادي طبيعي؟
وبهذه الطريقة يريد الرئيس الأرجنتيني تحويل هذه القاعدة إلى آلية تلقائية تضغط على الطبقة السياسية نفسها عندما يخرج الإنفاق العام عن السيطرة. وبذلك لا يكون التقشف مجرد فاتورة يدفعها المواطنون أو الموظفون أو المتقاعدون، وإنما تصبح الطبقة السياسية نفسها جزءًا من كلفة الأزمة المالية. وتأتي الخطوة في وقت يحتدم فيه الجدل داخل الأرجنتين حول رواتب المسؤولين والبرلمانيين. ففي الأشهر الأخيرة ارتفعت رواتب كبار المسؤولين في الحكومة بعد عامين من التجميد. وتُظهر البيانات الرسمية أن الراتب الإجمالي الشهري للوزير بلغ في أوت 2026 نحو 8.55 مليون بيزو، مقابل 7.83 مليون للسكرتير و7.12 مليون لنائب الوزير. أما في مجلس الشيوخ، فقد أثارت الزيادات الأخيرة جدلًا واسعًا، مع وصول رواتب أعضاء المجلس إلى نحو 12 مليون بيزو إجماليًا شهريًا ابتداءً من أوت 2026، نتيجة ارتباط أجورهم بزيادات موظفي الكونغرس. وهنا تبدو مفارقة المشهد واضحة: حكومة ترفع شعار التقشف والانضباط المالي، فيما ترتفع في الوقت نفسه رواتب بعض المسؤولين والبرلمانيين.
وقد زاد ميلي نفسه من حدة الجدل عندما انتقد علنًا الزيادة في رواتب أعضاء مجلس الشيوخ، في وقت أعلن فيه نواب عن حزب «الحرية تتقدم» أنهم سيخصصون الزيادة الجديدة للتبرع بها بدل الحصول عليها.
من «تجميد الرواتب» إلى «ربطها بنجاح الاقتصاد»
المثير في المقترح الجديد أنه لا يتحدث فقط عن خفض الرواتب، وإنما عن ربطها بالانضباط المالي للدولة.
أي أن المسؤول السياسي الذي يطالب الدولة بإنفاق المزيد، أو يرفض إجراءات التقشف، قد يجد نفسه أمام قاعدة تقول له في المقابل: إذا لم تجد الدولة المال، فلن تحصل أنت أيضًا على راتبك. وهو منطق ينسجم مع رؤية ميلي التي جعلت من القضاء على العجز المالي محورًا أساسيًا لسياساته منذ وصوله إلى السلطة. وكانت الحكومة قد اعتمدت بالفعل في ميزانية 2026 قاعدة مالية تستهدف الحفاظ على التوازن، مع إلزام السلطات بتعديل بنود الإنفاق إذا تراجعت الإيرادات أو تجاوز الإنفاق التوقعات. كما ينص مرسوم سابق على تجميد أجور كبار مسؤولي السلطة التنفيذية تلقائيًا في حال ظهور عجز مالي تراكمي في الإدارة العامة الوطنية.
ليست مجرد معركة رواتب
لكن مشروع ميلي يتجاوز مسألة أجور السياسيين. فالحزمة الجديدة تتضمن أيضًا إصلاحًا مقترحًا لقانون البنك المركزي، مع تشديد القيود على تمويل الخزانة العامة ومنع استخدام البنك المركزي كأداة لتمويل العجز. ويقوم التصور الذي يطرحه ميلي على مبدأ واضح: الدولة يجب أن تنفق ما تستطيع تمويله، لا أن تنفق أولًا ثم تبحث عن وسيلة لتمويل العجز. وهو المبدأ نفسه الذي دافع عنه الرئيس عند تقديم ميزانية 2026، مؤكدًا أن التوازن المالي يمثل «قاعدة غير قابلة للكسر».
هل تنجح وصفة ميلي؟
المؤيدون يرون في المقترح محاولة لإجبار الطبقة السياسية على تحمل مسؤوليتها في إدارة المال العام. أما المنتقدون فيطرحون سؤالًا آخر: هل يمكن أن تتحول هذه القاعدة إلى أداة سياسية؟ وهل تعليق رواتب المسؤولين قادر فعلًا على حل العجز، أم أن تأثيره المالي سيكون محدودًا مقارنة بحجم الإنفاق العام؟ والإجابة تتوقف على تفاصيل المشروع الذي سيحال إلى الكونغرس وعلى كيفية صياغة آلية «الإغلاق» المالي المقترحة. لكن سياسيًا، الرسالة التي يريد ميلي إيصالها واضحة: انتهاء زمن أن يدفع المواطن ثمن العجز ورفع امتيازات الطبقة السياسية. ففي الأرجنتين، حيث ارتبط تاريخ طويل من الأزمات بالتضخم والعجز والإنفاق العام، يريد ميلي تحويل التوازن المالي من شعار اقتصادي إلى شرط سياسي. وإذا نجح في تمرير هذه القاعدة، فقد تصبح الأرجنتين أمام تجربة غير مألوفة في المنطقة: راتب المسؤول السياسي نفسه يصبح مرتبطًا بانضباط ميزانية الدولة. فهل تستطيع السياسة أن تتحمل القاعدة التي تريد فرضها على الاقتصاد؟

