السؤال ليس وليد الخيال. فإسبانيا شهدت خلال 2026 موسم حرائق استثنائيًا؛ إذ تجاوزت المساحات المحروقة 172 ألف هكتار حتى 27 جويلية، أي قرابة ستة أضعاف المساحة المسجلة خلال الفترة نفسها من 2025. وفي الوقت نفسه، تشهد شبه الجزيرة الإيبيرية طفرة غير مسبوقة في مشاريع الطاقة الشمسية، مع دخول صناديق وشركات استثمارية دولية ضخمة إلى سوق الأراضي والطاقة. وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة للجدل.
من الغابة إلى الألواح الشمسية
تتداول أوساط إعلامية وشبكات التواصل رواية تقول إن جزءًا من الأراضي التي التهمتها الحرائق يتحول، بعد فترة، إلى مواقع لمشاريع الطاقة الشمسية، وأن من بين أبرز المستفيدين مستثمرين ومجامع استثمارية صينية. فهل نحن أمام مجرد تزامن؟ أم أن الأمر يستحق فتح تحقيقات مستقلة تتبع مسار الأرض قبل الحريق وبعده؟ لا يمكن القفز من وجود استثمار صيني في الطاقة الشمسية إلى اتهام الشركات الصينية بإشعال الحرائق لأنه استنتاج خطير يحتاج إلى أدلة جنائية وقضائية واضحة، في المقابل، لا ينبغي أيضًا إغلاق الملف بمجرد وصفه بأنه «نظرية مؤامرة». وماذا كانت الأرض قبل الحريق؟ فإذا احترقت آلاف الهكتارات، ثم ظهرت بعد عام أو عامين مشاريع شمسية ضخمة في جزء منها، فإن من حق الرأي العام أن يعرف: من كان يملك الأرض قبل الحريق؟ هل كانت هناك طلبات لإنشاء محطات شمسية قبل اندلاع النار؟ هل كانت هناك عمليات بيع أو شراء للأرض؟ متى حصل المشروع على التراخيص؟ ومن هم المساهمون الحقيقيون في الشركات التي أصبحت تملك المشروع؟ وهل توجد صلة بين أصحاب الأراضي السابقين والمستثمرين الجدد؟ هذه ليست أسئلة مؤامراتية، وإنما أسئلة طبيعية في أي تحقيق يتعلق بالأراضي العامة والموارد الطبيعية والاستثمارات الكبرى.
رأس المال الصيني موجود فعلًا
هناك حقيقة لا جدال فيها: رأس المال الصيني أصبح حاضرًا بقوة في قطاع الطاقة المتجددة في إسبانيا والبرتغال.
وهذا الحضور لا يعني اتهامًا، بل هو واقع اقتصادي يمكن تتبعه عبر عمليات الاستحواذ والاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية. المشكلة تبدأ فقط عندما يتزامن هذا التوسع الاستثماري مع حرائق ضخمة، ثم تظهر روايات عن انتقال أراضٍ محروقة إلى مشاريع طاقة جديدة، من دون أن تكون هناك بيانات رسمية واضحة تسمح للرأي العام بفهم ما حدث. في إسبانيا مثلا، استحوذت شركة China Three Gorges الحكومية الصينية على مشروع «Mula» الشمسي في مورسيا، بطاقة تقارب 494 ميغاواط، كما حصلت الشركة في 2023 على تمويل لشراء مجموعة من المشاريع الشمسية والريحية في إسبانيا. وفي البرتغال، كشفت الصحافة الاقتصادية عن توسع صيني لافت في القطاع الشمسي. فقد استحوذت شركة Chint Solar الصينية على شركة برتغالية تمتلك محفظة مشاريع شمسية تصل إلى 6.6 غيغاواط، تتركز نسبة كبيرة منها في منطقة ألينتيجو. كما أعلنت شركة Chint عن خطط ضخمة في البرتغال، بدعم مالي يصل إلى 420 مليون يورو لتطوير قدرات شمسية جديدة تبلغ 5.5 غيغاواط. إذن، وجود رأس المال الصيني في قطاع الطاقة الشمسية الإسباني والبرتغالي حقيقة موثقة، وخيط رقيق يربط الصلة بين اندلاع الحرائق وشهوة الصينيين في الاستثمار على أراضي مفحمة. لكن هذه الحقيقة لا تعني تلقائيًا أن الشركات الصينية تستفيد من حرائق الغابات، ولا أنها تقف وراء إشعالها.
من هنا تبدأ «نظرية الأرض المحروقة»
وقد انتشرت خلال شهر جويلية 2026 روايات على شبكات التواصل الاجتماعي في إسبانيا تربط بين حرائق مناطق مثل لوس غاياردوس في ألميريا ومشاريع محطات الطاقة الشمسية التي يفترض إقامتها في المنطقة. إلا أن التحقيق الذي نشرته وكالة EFE Verifica في حالة لوس غاياردوس لم يجد دليلًا يؤيد هذه الرواية ورغم ذلك فإن مواقع التواصل الاجتماعي مصرة على ترويج نظرية الأرض المحروقة. لكن الأخطر من الحريق أن تتحول الكوارث الطبيعية إلى سوق استثماري.

