والمتابع لما يحدث في المجتمع التونسي لا يمكنه تجاهل بعض المظاهر التي تستحق التوقف عندها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحاولات إعادة تقديم ممارسات اجتماعية قديمة في قالب ديني، أو استخدام الخطاب الديني لتبرير سلوكيات تتعارض مع القانون أو مع طبيعة الدولة المدنية. ومن بين أكثر الملفات حساسية ما يُتداول من عودة بعض أشكال الزواج غير الموثق أو ما يسمى بالزواج العرفي، أو إقامة علاقات تحت غطاء ديني بدعوى الالتزام بالشريعة أو السنة. وهنا لا يتعلق الأمر بمناقشة المعتقدات الدينية، وإنما بضرورة التمييز الواضح بين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر من جهة، وبين احترام القانون وحماية حقوق الأفراد، وخاصة النساء والأطفال، من جهة أخرى.
فالزواج ليس مجرد علاقة خاصة بين شخصين، وإنما مؤسسة تترتب عنها حقوق وواجبات قانونية واجتماعية، وأي التفاف على الإجراءات القانونية يمكن أن يفتح الباب أمام مشاكل تتعلق بإثبات النسب، والحقوق المالية، والإرث، وحماية الزوجة والأطفال.
حين يتحول الخطاب الديني إلى مشكلة اجتماعية
الأمر الآخر الذي يستحق المتابعة هو طبيعة الخطاب الديني الذي يقدم في بعض المساجد والجوامع، خاصة خلال المواسم الدينية التي يرتفع فيها الإقبال على دور العبادة. الأصل أن يكون المسجد فضاء للعبادة والتربية على الأخلاق والتسامح والتكافل ونبذ العنف والتطرف، وأن يساهم الخطاب الديني في معالجة مشكلات المجتمع بالحكمة والاعتدال. لكن أي خطاب يتجاوز هذه الوظيفة ليتحول إلى تحريض أو تقسيم للمجتمع أو ترويج لأفكار تتعارض مع القانون والدستور أو تحرض على الكراهية، يجب أن يكون محل انتباه ومتابعة من الجهات المختصة، وفق القانون ودون تعميم أو اتهام جماعي.
فليس كل خطيب أو إمام يتحدث في الشأن العام متطرفاً، وليس كل مظهر ديني دليلاً على وجود مشروع سياسي خفي. وفي المقابل، فإن التساهل مع أي خطاب يحرض على العنف أو الكراهية أو يشرعن مخالفة القانون ليس مقبولاً أيضاً.
بين التدين الحقيقي والتظاهر بالتقوى
ومن الظواهر التي تثير النقاش كذلك ما يمكن وصفه بـالتدين الشكلي أو استخدام المظاهر الدينية للحصول على مكانة اجتماعية أو نفوذ داخل المؤسسات. وقد تظهر هذه السلوكيات في بعض الإدارات والمؤسسات العمومية، خصوصاً في البيئات التي يكون فيها التدين جزءاً قوياً من النسيج الاجتماعي. لكن المشكلة لا تكمن في التدين نفسه؛ فالموظف المتدين مواطن وموظف له كامل حقوقه، كما أن ممارسة الشعائر الدينية أمر شخصي تحميه القوانين. المشكلة تبدأ عندما تتحول المظاهر الدينية إلى وسيلة للضغط على الآخرين، أو إلى أداة للحصول على امتيازات، أو إلى غطاء لممارسات مخالفة للقانون، أو عندما يصبح الانتماء الديني معياراً للحكم على كفاءة الموظف أو ولائه. المؤسسة العمومية يجب أن تبقى فضاءً للمساواة والكفاءة واحترام القانون، لا ساحة للصراع بين المتدين وغير المتدين، ولا مجالاً لفرض نمط معين من السلوك على الآخرين.
الأزمات.. البيئة المثالية لانتشار الخطابات المتطرفة
الأكثر خطورة أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية توفر دائماً بيئة خصبة لانتشار الخطابات المتشددة، أياً كان مصدرها. فعندما يشعر المواطن بالفقر أو التهميش أو غياب الأفق، يصبح أكثر قابلية للاستماع إلى من يقدم له تفسيراً بسيطاً ومريحاً لمعاناته، أو من يقنعه بأن مشكلته سببها فئة معينة من المجتمع، أو أن الخلاص لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانغلاق والتطرف ورفض الآخر. وهنا تكمن مسؤولية الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية معاً.
مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط بالمراقبة الأمنية، وإنما أيضاً بالسياسات الاجتماعية، وبإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وبخلق فرص العمل، وبمحاربة الفقر والتهميش، وبخطاب ديني مستنير، وبإعلام مسؤول يستطيع التفريق بين التدين الطبيعي والتطرف، وبين حرية التعبير والتحريض.
لا عودة إلى الماضي.. ولا مطاردة للمتدينين
الحديث عن هذه المخاطر يجب ألا يتحول بأي شكل إلى دعوة لمطاردة المتدينين أو التشكيك في كل من يرتاد المسجد أو يمارس شعائره. تونس مجتمع مسلم، والتدين جزء من هويته الثقافية والاجتماعية، كما أن احترام الحريات الدينية مبدأ أساسي. لكن الإيمان لا يحتاج إلى مخالفة القانون حتى يثبت وجوده، والتقوى الحقيقية لا تحتاج إلى فرض نفسها على الآخرين.
المطلوب هو دولة قوية بالقانون، لا دولة ضعيفة أمام أي خطاب ديني أو سياسي، ومجتمع يحترم الدين دون أن يسمح باستغلاله، وإدارة تحمي الحريات دون أن تتسامح مع التجاوزات. كما أن استحضار سنوات الأزمات والإرهاب التي عاشتها تونس يجب أن يكون بهدف التعلم من الماضي، لا لإعادة إنتاج الخوف أو إطلاق أحكام جماعية على المجتمع. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المخاوف المشروعة إلى اتهامات عامة، أو أن يتحول النقاش حول التطرف إلى عداء للتدين. كلا الأمرين يخدمان التطرف بدلاً من مواجهته. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن أشباح في كل زاوية، وإنما اليقظة القانونية والمجتمعية: متابعة أي مخالفة، والتحقق من أي تجاوز، ومحاسبة من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو صفته، وفي الوقت نفسه حماية حق المواطن في التدين والاعتقاد وممارسة شعائره. فالمجتمع الآمن ليس ذلك الذي يمنع الناس من ممارسة دينهم، وإنما ذلك الذي يمنع استغلال الدين لتجاوز القانون أو تهديد حقوق الآخرين.
إن أفضل حصانة ضد عودة الممارسات الخطيرة ليست الخوف ولا الشائعات، وإنما دولة القانون، وتعليم جيد، ومجتمع متماسك، وعدالة اجتماعية، وخطاب ديني مسؤول، ومؤسسات تعرف أن مهمتها الأولى هي حماية المواطن وحرياته وحقوقه.

