عاجل
عالم

والد ليونيل ميسي يرحل

أبو ميسي مات
أبو ميسي مات

أبو ميسي مات

رحيل خورخي ميسي، والد ليونيل ميسي، يعيد أسطورة كرة القدم إلى حقيقتها الإنسانية: أمام فقدان الأب، تسقط الأرقام والكؤوس والشهرة والمقارنات، ويبقى ميسي مجرد ابن فقد الرجل الذي عرفه قبل أن يصبح أسطورة.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 4 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
مات خورخي ميسي، والد ليونيل ميسي، فانتهت للحظة واحدة كل تلك الضوضاء التي تحيط عادة باسم ميسي: لا أهداف، لا أرقام، لا مقارنات مع رونالدو، لا محللون رياضيون يشرحون لنا لماذا اللمسة اليسرى أعظم من اللمسة اليمنى، ولا مشجعون مستعدون لخوض حرب أهلية صغيرة على مواقع التواصل من أجل إثبات أن لاعباً أفضل من لاعب. أمام الموت، تحولت كل هذه التفاصيل التي كنا نظنها مهمة إلى شيء يشبه لعب الأطفال، واكتشفنا أن الرجل الذي أرهق العالم كله بأسئلة كرة القدم، لديه في النهاية سؤال واحد لا علاقة له بكرة القدم: كيف يعيش الإنسان بعد أن يفقد أباه؟
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

خورخي ميسي كان بالنسبة إلى العالم والد واحد من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ، وكان بالنسبة إلى ابنه شيئاً أبسط وأعمق من ذلك بكثير: كان أباه. وهذه العبارة البسيطة ربما تختصر كل الحكاية، لأن الشهرة تستطيع أن تجعل الإنسان معروفاً لدى ملايين الناس، لكنها لا تستطيع أن تمنحه علاقة أكثر صدقاً من تلك التي تربطه بأبيه وأمه وبيته الأول. العالم كان يرى ميسي وهو يرفع كأس العالم، بينما كان خورخي يرى الطفل الذي عرفه قبل أن يعرفه العالم، وربما كان هذا هو الامتياز الوحيد الذي لا تستطيع الشهرة انتزاعه من أحد: أن تكون معروفاً في صورتك الأولى، قبل أن تتحول إلى اسم تجاري ووجه إعلاني وقميص يحمل الرقم عشرة.

من السهل أن نتحدث عن والد ميسي باعتباره الرجل الذي ساهم في مسيرة ابنه، ومن السهل أيضاً أن نستعيد الصور القديمة ونكتب عبارات التأبين ونضع صورة بالأبيض والأسود ونقول إن الأسطورة فقد سندها الأول، ثم ننتقل بعد ساعات إلى خبر مباراة أو صفقة أو فضيحة جديدة، لأن عصرنا لا يمنح حتى الموت وقتاً كافياً ليأخذ حقه من الحزن. نحن نعيش في زمن أصبح فيه الحزن نفسه مادة للاستهلاك الإعلامي؛ صورة، عنوان مؤثر، بضعة تعليقات، ثم يمر الجميع إلى الخبر التالي وكأن الإنسان الذي مات كان مجرد منشور انتهت صلاحيته.

لكن وفاة والد ميسي تفتح باباً آخر، أكثر إنسانية وأقل علاقة بكرة القدم. ماذا يستطيع المال أن يفعل أمام موت الأب؟ ماذا تستطيع الشهرة أن تفعل؟ ماذا تستطيع ملايين المتابعين، والقصور، والسيارات، والطائرات الخاصة، وكؤوس العالم، والجوائز الفردية، والعقود الخيالية أن تفعل عندما يصبح الهاتف الذي تنتظر منه مكالمة معينة صامتاً إلى الأبد؟ هنا بالضبط يصبح الموت أكثر عدلاً من كل قوانين كرة القدم؛ لا يهمه إن كنت ميسي أو موظفاً بسيطاً، لا يهمه كم تملك في البنك ولا كم شخصاً يعرف اسمك، ولا يمنحك ركلة جزاء إضافية لأنك كنت بطلاً للعالم.

هذه هي السخرية السوداء في قصة الإنسان: نقضي نصف حياتنا ونحن نحاول أن نصبح مهمين في نظر الآخرين، ثم نكتشف في النهاية أن أهم الناس بالنسبة إلينا كانوا موجودين في حياتنا منذ البداية، ولم يكونوا يحتاجون إلى أن نكون مشهورين أصلاً. ميسي احتاج سنوات طويلة حتى يعرفه العالم، لكنه لم يحتج إلى بطولة عالمية حتى يعرفه أبوه؛ كان يعرفه عندما كان طفلاً، عندما لم يكن هناك صحفي واحد ينتظر تصريحاً منه، وعندما لم يكن أحد يعرف إن كان ذلك الطفل سيصبح أسطورة أم سيكبر ويعيش حياة عادية مثل ملايين الأطفال.

وهنا ربما تكمن قيمة الأب في حياة الإنسان. الأب لا ينظر إلى رصيدك البنكي ولا إلى عدد متابعيك ولا إلى الجوائز الموجودة في خزانتك، ولا يحتاج إلى مدير أعمال ليحدد له قيمة ابنه. الأب يرى الإنسان قبل أن يصبح مشروعاً، ويرى الضعف قبل القوة، والخوف قبل الشهرة، والطفل قبل الأسطورة. ولذلك فإن فقدان الأب ليس مجرد فقدان شخص من العائلة، بل هو فقدان شاهد على النسخة الأولى منك، تلك النسخة التي لم يرها العالم ولم يحتج إلى أن يراها.

كأس السوبر السعودي يفلت من كريستيانو رونالدو
إقرأ كذلك
كأس السوبر السعودي يفلت من كريستيانو رونالدو
نشر يوم 2023-01-27

ولعل أكثر ما يجعل قصة ميسي مؤثرة أن العالم كله تقريباً يعرف ليونيل ميسي، لكن هناك رجلاً واحداً كان يعرف ليونيل قبل أن يصبح ميسي. كان يعرف الطفل قبل الرقم عشرة، والابن قبل الأسطورة، والإنسان قبل أن تتحول حياته إلى صناعة عالمية تدر الملايين. وعندما يرحل هذا الرجل، لا يفقد ميسي فقط أباه، بل يفقد أيضاً أحد آخر الشهود على طفولته، على ذلك الزمن الذي كان فيه مجرد طفل يركض خلف كرة، قبل أن يصبح العالم كله يركض خلفه.

أما نحن، فسوف نعود غداً إلى مبارياتنا ونقاشاتنا ومقارناتنا العبثية، وسنختلف من جديد حول من هو أعظم لاعب في التاريخ، وسنجد من يكتب عشرين تعليقاً لإثبات أن ميسي عبقري، ومن يكتب عشرين تعليقاً آخر لإثبات أن رونالدو أفضل، وكأن البشرية لن تنجو إلا إذا حُسم هذا الخلاف. وسننسى، كعادتنا، أن الاثنين في النهاية بشر، وأن أجمل هدف في حياتهما لن يكون بالضرورة ذلك الذي شاهده الملايين، بل ربما لحظة صغيرة في بيت قديم، أو حضن أب، أو كلمة قيلت في طفولتهما ولم يسمعها أحد.

مات أبو ميسي، ولذلك ليس المطلوب أن نتعامل مع الخبر باعتباره خبراً رياضياً. المطلوب أن نتذكر أن وراء كل أسطورة إنساناً، ووراء كل إنسان عائلة، ووراء كل نجاح أشخاصاً لا تظهر أسماؤهم في العناوين. كرة القدم تستطيع أن تمنح الإنسان المجد، لكنها عاجزة عن منحه الخلود؛ والإعلام يستطيع أن يصنع من لاعب أسطورة، لكنه لا يستطيع أن يمنع دمعة واحدة عندما يغيب الأب.

في النهاية، هناك لحظة يصبح فيها ميسي مثلنا جميعاً تماماً: لا لاعباً عظيماً، ولا بطلاً للعالم، ولا صاحب الملايين، ولا الرجل الذي يعرفه نصف الكوكب؛ يصبح ابناً فقد أباه، وهذه رتبة لا تحتاج إلى كأس ولا إلى ميدالية ولا إلى جمهور. وربما تكون هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يستطيع الموت أن يعيد بها كرة القدم إلى حجمها الطبيعي: مهما كبرت الأسطورة في عيون الناس، يبقى الإنسان صغيراً أمام غياب من أحب.

وفاة مارادونا تطفو على السطح من جديد
إقرأ كذلك
وفاة مارادونا تطفو على السطح من جديد
نشر يوم 2024-05-01

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد