وفي جويلية 2026، سجلت حرارة سطح البحر الأبيض المتوسط رقمًا قياسيًا جديدًا للشهر، بحسب بيانات وكالة الفضاء الأوروبية، مع تسجيل مناطق واسعة من الحوض الغربي درجات حرارة أعلى بكثير من المعدلات المعتادة، ووصول الفارق محليًا إلى نحو 8 درجات مئوية عن متوسط الفترة 1991-2020. وكانت الزيادة الأبرز قرب سواحل جنوب فرنسا وحول كورسيكا وسردينيا وشبه الجزيرة الإيطالية. المشهد لا يأتي منفردًا، بل يتزامن مع صيف شديد الحرارة في أجزاء واسعة من أوروبا وشمال المتوسط. وقد وصفت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية جويلية 2026 بأنه شهر شهد موجات حر بحرية وبرية واسعة، فيما عانت مناطق من جنوب وغرب أوروبا من الجفاف وارتفاع مخاطر الحرائق.
المتوسط يتحول إلى خزان هائل للحرارة
المشكلة الأساسية أن مياه البحر لا تتصرف مثل اليابسة. فالمياه تستطيع تخزين كميات ضخمة من الطاقة الحرارية، وعندما ترتفع حرارتها بصورة استثنائية فإنها لا تؤثر فقط في الحياة البحرية، بل يمكن أن تؤثر أيضًا في الغلاف الجوي فوقها. وتشير أبحاث حديثة إلى أن موجات الحر البحرية في المتوسط ترتبط بتغيرات في تبادل الحرارة بين البحر والجو، وأن تزامن موجات الحر الجوية والبحرية يمكن أن يؤدي إلى تغيرات قوية في تدفق الحرارة والرطوبة بين السطح البحري والغلاف الجوي.
وهنا تكمن خطورة الوضع: البحر الدافئ جدًا يعني طاقة ورطوبة أكبر متاحة للغلاف الجوي عندما تتوفر الظروف المناسبة. وهذا لا يعني أن كل ارتفاع في حرارة المتوسط سيؤدي تلقائيًا إلى عاصفة أو فيضان، لكنه يرفع من قابلية المنظومة الجوية لبعض السيناريوهات المتطرفة عندما تتقاطع حرارة البحر المرتفعة مع اضطرابات جوية مناسبة.
الخطر المباشر: أمطار غزيرة في وقت قصير
أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق هو احتمال تحول الحرارة المخزنة في البحر إلى وقود لاضطرابات جوية عنيفة. وتشير دراسة علمية حديثة إلى أن موجات الحر البحرية يمكن أن تزيد من شدة الأمطار القصوى فوق اليابسة، خصوصًا في المناطق الساحلية الواقعة في اتجاه الرياح. وخلصت الدراسة إلى أن كميات الأمطار خلال أحداث الهطول القصوى يمكن أن ترتفع بنحو 20 إلى 30% في بعض الظروف المرتبطة بموجات الحر البحرية.
وهذا يجعل دول شمال إفريقيا، ومنها تونس والجزائر والمغرب وليبيا، وكذلك إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان وتركيا ودول البلقان، أمام معادلة مناخية أكثر تعقيدًا. فبعد أشهر من الحرارة والجفاف، يمكن أن تنتقل بعض المناطق بسرعة من نقص المياه إلى أمطار شديدة التركيز خلال ساعات، بما قد يرفع مخاطر السيول والفيضانات وانجراف التربة.
لماذا قد يكون الخريف حساسًا؟
الخريف هو المرحلة التي تبدأ خلالها حرارة اليابسة في الانخفاض تدريجيًا، بينما تبقى مياه المتوسط دافئة لفترة أطول. وهنا يمكن أن تتشكل حالة من التباين الحراري بين سطح البحر والكتل الهوائية القادمة من مناطق أكثر برودة. وإذا تزامن ذلك مع وصول اضطراب جوي بارد إلى المنطقة، فقد تتوفر الظروف اللازمة لتشكل سحب رعدية كثيفة وأمطار غزيرة في فترات زمنية قصيرة. لكن من المهم التأكيد أن حرارة البحر المرتفعة لا تعني أن الخريف سيكون حتمًا عاصفًا أو كارثيًا. فالطقس يعتمد على مجموعة كبيرة من العوامل، بينها موقع المنخفضات الجوية، واتجاه الرياح، ودرجات الحرارة في طبقات الجو العليا، والرطوبة، والتضاريس، وأنماط الضغط الجوي.
لذلك فإن الحديث عن "خريف قاسٍ" يجب أن يبقى في إطار السيناريو المحتمل والمخاطر التي تستوجب الاستعداد، لا باعتباره توقعًا مؤكدًا.
تونس في قلب المعادلة
بالنسبة إلى تونس، تبدو المسألة أكثر أهمية بسبب الموقع الجغرافي الذي يجعل البلاد مفتوحة مباشرة على المتوسط، من الشمال والشرق. ارتفاع حرارة البحر يمكن أن تكون له انعكاسات على عدة مستويات: الطقس، الزراعة، الموارد المائية، الثروة السمكية، السياحة، والصحة العامة.
والخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل في التقلب السريع بين الحالات المناخية القصوى. ففترات طويلة من الحر والجفاف قد تليها أمطار شديدة في وقت قصير، وهو ما يجعل قدرة المدن وشبكات تصريف المياه والبنية التحتية على الاستيعاب عاملًا حاسمًا في حجم الأضرار. كما أن المناطق المنخفضة والمدن الساحلية تصبح أكثر حساسية أمام الأمطار الغزيرة والعواصف البحرية وارتفاع مستوى البحر، في وقت يتزايد فيه الضغط على الموارد المائية بسبب الحرارة والتبخر.
البحر الدافئ ليس خبرًا سيئًا للطقس فقط
الأزمة تتجاوز الإنسان والطقس إلى النظام البيئي نفسه. موجات الحر البحرية الطويلة تستطيع التأثير في الأنظمة البيئية البحرية، وتغيير مناطق انتشار الأنواع، والضغط على الكائنات الحساسة للحرارة، والتأثير في الثروة السمكية. وقد أصبحت موجات الحر البحرية أكثر أهمية في الدراسات المناخية لأنها تمثل أحد أبرز مظاهر التغير المناخي في المحيطات والبحار، بينما تشير الدراسات إلى أن شدة هذه الظواهر وتواترها يتزايدان مع الاحترار العالمي. وفي المتوسط تحديدًا، وجدت دراسة حديثة أن الاحترار طويل المدى المرتبط بتغير المناخ أدى إلى تضخيم شدة بعض التطرفات في حرارة سطح البحر بما يصل إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بالظروف المناخية السابقة، مع بقاء تأثير التذبذب الطبيعي للمناخ حاضرًا في تفسير كل حدث على حدة.
من صيف ساخن إلى منظومة مناخية مضطربة
ما يحدث في المتوسط يطرح سؤالًا أكبر من مجرد: كم ستكون درجة الحرارة غدًا؟ السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام منظومة مناخية أصبحت أكثر تطرفًا وأقل قابلية للتنبؤ؟ المؤشرات المتراكمة تقول إن المنطقة المتوسطية أصبحت واحدة من أكثر المناطق حساسية لتغير المناخ. حرارة قياسية، موجات حر بحرية، جفاف، حرائق، ثم احتمالات أمطار شديدة وفيضانات… كلها حلقات مختلفة في منظومة واحدة أكثر اضطرابًا. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الانتقال من حالة مناخية قصوى إلى أخرى يمكن أن يحدث بسرعة، وأن البنية التحتية التي صممت على أساس معدلات مناخية قديمة قد تجد نفسها أمام ظروف لم تكن محسوبة في السابق.
الخريف المقبل… هل نحن أمام مفاجآت؟
لا يمكن الجزم منذ الآن بأن خريف 2026 سيكون استثنائيًا أو كارثيًا، فالتنبؤات الموسمية لا تسمح عادة بتحديد مكان وزمان كل عاصفة أو موجة أمطار قبل أشهر. لكن استمرار حرارة المتوسط عند مستويات مرتفعة يجعل مراقبة الخريف أكثر أهمية، خصوصًا عند اقتراب الكتل الهوائية الباردة الأولى من المنطقة. فالخطر الحقيقي لا يكمن في "حرارة البحر" وحدها، وإنما في اجتماع ثلاثة عناصر: بحر شديد الدفء، واضطراب جوي قوي، وبنية تحتية أو أراضٍ غير مستعدة لاستقبال كميات كبيرة من المياه خلال فترة قصيرة. وهنا تصبح الوقاية أهم من انتظار الكارثة.
إن تنظيف مجاري المياه، ومراجعة شبكات تصريف الأمطار، ومراقبة المناطق المنخفضة، وتحديث خرائط مخاطر الفيضانات، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ليست إجراءات مبالغًا فيها، بل جزء من التكيف مع مناخ يتغير بالفعل.
البحر الأبيض المتوسط لا يغلي مجازًا فقط؛ إنه يخزن حرارة متزايدة، وهذه الحرارة قد تصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيل طقس المنطقة. وفي انتظار ما سيحمله الخريف، يبقى الدرس الأهم واضحًا: المشكلة لم تعد في ارتفاع الحرارة وحده، بل في التطرف المناخي والتقلب المفاجئ بين الجفاف والحرارة من جهة، والأمطار الغزيرة والفيضانات من جهة أخرى. وهذا هو التهديد المباشر الذي ينبغي لدول المتوسط، ومنها تونس، أن تستعد له قبل أن تتحول المفاجآت الجوية إلى كوارث إنسانية واقتصادية.

