عاجل
مجتمع

الزواج العرفي، هل تعود ممارسات ظننا أنها أصبحت من الماضي؟

هل تتسلل الممارسات الدينية المتشددة من جديد؟
هل تتسلل الممارسات الدينية المتشددة من جديد؟

هل تتسلل الممارسات الدينية المتشددة من جديد؟

يثير تنامي بعض الممارسات الاجتماعية والخطابات الدينية المتشددة تساؤلات حول إمكانية عودة ظواهر ظن التونسيون أنها أصبحت من الماضي، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. والمطلوب هو اليقظة ومتابعة أي تجاوز وفق القانون، مع التمييز بوضوح بين التدين الطبيعي واستغلال الدين للتحريض أو مخالفة القانون.
كتب : مرشد السماوي / تونس - المساء
⏱ 4 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
هناك ظواهر اجتماعية ودينية تعود أحياناً إلى الواجهة بصمت، لا عبر قرارات معلنة أو مواقف واضحة، وإنما من خلال ممارسات فردية تتوسع تدريجياً، وخطابات تتسلل إلى المجتمع من منافذ مختلفة، مستفيدة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومن هشاشة بعض الفئات.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

والمتابع لما يحدث في المجتمع التونسي لا يمكنه تجاهل بعض المظاهر التي تستحق التوقف عندها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحاولات إعادة تقديم ممارسات اجتماعية قديمة في قالب ديني، أو استخدام الخطاب الديني لتبرير سلوكيات تتعارض مع القانون أو مع طبيعة الدولة المدنية. ومن بين أكثر الملفات حساسية ما يُتداول من عودة بعض أشكال الزواج غير الموثق أو ما يسمى بالزواج العرفي، أو إقامة علاقات تحت غطاء ديني بدعوى الالتزام بالشريعة أو السنة. وهنا لا يتعلق الأمر بمناقشة المعتقدات الدينية، وإنما بضرورة التمييز الواضح بين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر من جهة، وبين احترام القانون وحماية حقوق الأفراد، وخاصة النساء والأطفال، من جهة أخرى.

فالزواج ليس مجرد علاقة خاصة بين شخصين، وإنما مؤسسة تترتب عنها حقوق وواجبات قانونية واجتماعية، وأي التفاف على الإجراءات القانونية يمكن أن يفتح الباب أمام مشاكل تتعلق بإثبات النسب، والحقوق المالية، والإرث، وحماية الزوجة والأطفال.

حين يتحول الخطاب الديني إلى مشكلة اجتماعية

الأمر الآخر الذي يستحق المتابعة هو طبيعة الخطاب الديني الذي يقدم في بعض المساجد والجوامع، خاصة خلال المواسم الدينية التي يرتفع فيها الإقبال على دور العبادة. الأصل أن يكون المسجد فضاء للعبادة والتربية على الأخلاق والتسامح والتكافل ونبذ العنف والتطرف، وأن يساهم الخطاب الديني في معالجة مشكلات المجتمع بالحكمة والاعتدال. لكن أي خطاب يتجاوز هذه الوظيفة ليتحول إلى تحريض أو تقسيم للمجتمع أو ترويج لأفكار تتعارض مع القانون والدستور أو تحرض على الكراهية، يجب أن يكون محل انتباه ومتابعة من الجهات المختصة، وفق القانون ودون تعميم أو اتهام جماعي.

فليس كل خطيب أو إمام يتحدث في الشأن العام متطرفاً، وليس كل مظهر ديني دليلاً على وجود مشروع سياسي خفي. وفي المقابل، فإن التساهل مع أي خطاب يحرض على العنف أو الكراهية أو يشرعن مخالفة القانون ليس مقبولاً أيضاً.

بين التدين الحقيقي والتظاهر بالتقوى

ومن الظواهر التي تثير النقاش كذلك ما يمكن وصفه بـالتدين الشكلي أو استخدام المظاهر الدينية للحصول على مكانة اجتماعية أو نفوذ داخل المؤسسات. وقد تظهر هذه السلوكيات في بعض الإدارات والمؤسسات العمومية، خصوصاً في البيئات التي يكون فيها التدين جزءاً قوياً من النسيج الاجتماعي. لكن المشكلة لا تكمن في التدين نفسه؛ فالموظف المتدين مواطن وموظف له كامل حقوقه، كما أن ممارسة الشعائر الدينية أمر شخصي تحميه القوانين. المشكلة تبدأ عندما تتحول المظاهر الدينية إلى وسيلة للضغط على الآخرين، أو إلى أداة للحصول على امتيازات، أو إلى غطاء لممارسات مخالفة للقانون، أو عندما يصبح الانتماء الديني معياراً للحكم على كفاءة الموظف أو ولائه. المؤسسة العمومية يجب أن تبقى فضاءً للمساواة والكفاءة واحترام القانون، لا ساحة للصراع بين المتدين وغير المتدين، ولا مجالاً لفرض نمط معين من السلوك على الآخرين.

صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري
إقرأ كذلك
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري
نشر يوم 2026-09-12

الأزمات.. البيئة المثالية لانتشار الخطابات المتطرفة

الأكثر خطورة أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية توفر دائماً بيئة خصبة لانتشار الخطابات المتشددة، أياً كان مصدرها. فعندما يشعر المواطن بالفقر أو التهميش أو غياب الأفق، يصبح أكثر قابلية للاستماع إلى من يقدم له تفسيراً بسيطاً ومريحاً لمعاناته، أو من يقنعه بأن مشكلته سببها فئة معينة من المجتمع، أو أن الخلاص لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانغلاق والتطرف ورفض الآخر. وهنا تكمن مسؤولية الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية معاً.

مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط بالمراقبة الأمنية، وإنما أيضاً بالسياسات الاجتماعية، وبإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وبخلق فرص العمل، وبمحاربة الفقر والتهميش، وبخطاب ديني مستنير، وبإعلام مسؤول يستطيع التفريق بين التدين الطبيعي والتطرف، وبين حرية التعبير والتحريض.

لا عودة إلى الماضي.. ولا مطاردة للمتدينين

الحديث عن هذه المخاطر يجب ألا يتحول بأي شكل إلى دعوة لمطاردة المتدينين أو التشكيك في كل من يرتاد المسجد أو يمارس شعائره. تونس مجتمع مسلم، والتدين جزء من هويته الثقافية والاجتماعية، كما أن احترام الحريات الدينية مبدأ أساسي. لكن الإيمان لا يحتاج إلى مخالفة القانون حتى يثبت وجوده، والتقوى الحقيقية لا تحتاج إلى فرض نفسها على الآخرين.

المطلوب هو دولة قوية بالقانون، لا دولة ضعيفة أمام أي خطاب ديني أو سياسي، ومجتمع يحترم الدين دون أن يسمح باستغلاله، وإدارة تحمي الحريات دون أن تتسامح مع التجاوزات. كما أن استحضار سنوات الأزمات والإرهاب التي عاشتها تونس يجب أن يكون بهدف التعلم من الماضي، لا لإعادة إنتاج الخوف أو إطلاق أحكام جماعية على المجتمع. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المخاوف المشروعة إلى اتهامات عامة، أو أن يتحول النقاش حول التطرف إلى عداء للتدين. كلا الأمرين يخدمان التطرف بدلاً من مواجهته. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن أشباح في كل زاوية، وإنما اليقظة القانونية والمجتمعية: متابعة أي مخالفة، والتحقق من أي تجاوز، ومحاسبة من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو صفته، وفي الوقت نفسه حماية حق المواطن في التدين والاعتقاد وممارسة شعائره. فالمجتمع الآمن ليس ذلك الذي يمنع الناس من ممارسة دينهم، وإنما ذلك الذي يمنع استغلال الدين لتجاوز القانون أو تهديد حقوق الآخرين.

إن أفضل حصانة ضد عودة الممارسات الخطيرة ليست الخوف ولا الشائعات، وإنما دولة القانون، وتعليم جيد، ومجتمع متماسك، وعدالة اجتماعية، وخطاب ديني مسؤول، ومؤسسات تعرف أن مهمتها الأولى هي حماية المواطن وحرياته وحقوقه.

ظاهرة الزواج في عزلة عن العائلة
إقرأ كذلك
ظاهرة الزواج في عزلة عن العائلة
نشر يوم 2025-08-07

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد