وتحتاج هذه الرواية، في المقابل، إلى قدر كبير من التثبت، إذ لم يتسنّ حتى الآن العثور على تأكيد رسمي مستقل بشأن ظروف مغادرة شحر الدين للجزائر، أو طبيعة الوثائق التي يُقال إنه يحملها، أو وجود تسجيلات لمحادثات هاتفية تعود إلى مسؤولين أو رجال أعمال. وتكمن حساسية القضية في أن شحر الدين ليس شخصية مجهولة في المشهد المحلي بوهران؛ فقد سبق أن ظهر بصفته رئيسًا للمجلس الشعبي البلدي لبئر الجير في ملفات ومشاريع محلية مختلفة، كما ورد اسمه في تغطيات صحفية تتعلق بملفات العقار والتسيير المحلي.
من مغادرة البلاد إلى سؤال الملفات
بحسب المعطيات المتداولة، فإن القضية لا تتعلق فقط بكيفية مغادرة رئيس بلدية بئر الجير للجزائر، وإنما بما يُقال إنه اصطحبه معه من وثائق ومواد قد تكون مرتبطة بملفات إدارية وعقارية وشخصيات نافذة. وتتحدث الرواية المتداولة عن ملفات يُعتقد أنها تتصل بمسؤولين وأشخاص مقربين من مسؤولين، إلى جانب رجال أعمال ومتعهدين في قطاع العقارات. كما تتحدث المصادر التي تقف وراء هذه الادعاءات عن احتفاظ شحر الدين بتسجيلات لبعض مكالماته واتصالاته، وهو ما يفتح، في حال ثبوت وجودها ومحتواها، بابًا مختلفًا تمامًا في القضية. فالوثيقة الإدارية يمكن فحص مصدرها ومسارها ومضمونها، أما التسجيل الصوتي، إذا ثبتت أصالته وسلامة سياقه، فقد يضيف بعدًا آخر للتحقيق، خصوصًا إذا تعلق الأمر بقرارات أو معاملات أو تفاهمات ذات طبيعة مالية أو إدارية. لكن كل ذلك يبقى، في الوقت الراهن، في دائرة الادعاءات التي تحتاج إلى إثبات.
أسماء كثيرة… وأسئلة أكثر
وتتضمن الرواية المتداولة أسماء عدد من المسؤولين والشخصيات ورجال الأعمال، من بينهم سعيد سايود وأشخاص من محيطه، إضافة إلى أسماء مرتبطة بقطاع العقارات، فضلًا عن مسؤول أمني سابق في وهران. غير أن مجرد ورود أسماء أشخاص في وثائق أو تسجيلات، إن وجدت، لا يعني بالضرورة تورطهم في أي مخالفة. وهنا تصبح المسؤولية الصحفية مضاعفة: فالقضية، إذا كانت بالفعل تتضمن وثائق وتسجيلات، يجب أن تتحول من مادة للتسريبات والحديث في الكواليس إلى ملف قابل للتحقق، من خلال فحص الوثائق، والتأكد من مصدرها، والتحقق من التسجيلات وسياقها، والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
خلفية عقارية تزيد الأسئلة
وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب الملفات العقارية التي سبق أن أثيرت إعلاميًا حول بلدية بئر الجير. فقد نشرت صحيفة LeMed24 في ديسمبر 2025 تحقيقات اتهمت رئيس البلدية بوجود تجاوزات في ملفات مرتبطة بالعقار والتراخيص والمشاريع، كما تناولت بالتفصيل قضية تعاونية «سوترافو» وما وصفته بإشكالات تتعلق بقرارات إدارية وعقارية. وهذه الادعاءات تظل بدورها بحاجة إلى التثبت القضائي ولا يمكن اعتبارها أحكامًا نهائية على المسؤول المعني.
في المقابل، تظهر مصادر صحفية أخرى شحر الدين في سياق نشاطات بلدية عادية، من بينها متابعة مشاريع البنية التحتية والتطهير وإعادة تأهيل الطرق، وهو ما يعكس أن الرجل كان حاضرًا في المشهد المحلي بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة. وهذا التباين بين صورة المسؤول المحلي الذي يتابع مشاريع بلديته، وبين الاتهامات التي تطرحها بعض التحقيقات الإعلامية، يجعل الحاجة إلى تحقيق مستقل أكثر إلحاحًا.
هل توجد "أرشيفات" خارج الجزائر؟
وإذا ثبت أن مسؤولًا محليًا غادر الجزائر وبحوزته وثائق إدارية أو تسجيلات تتعلق بملفات حساسة، فإن المسألة لا تعود شخصية بحتة، بل تصبح مرتبطة أيضًا بكيفية حماية الوثائق الرسمية، وسلامة المعطيات الإدارية، والمسؤولية القانونية عن تداولها خارج البلاد. أما إذا كانت هذه الرواية غير صحيحة، فإن ذلك يستوجب بدوره توضيحًا رسميًا يضع حدًا للتكهنات التي يمكن أن تتحول سريعًا إلى اتهامات لا أساس لها.
وفي حال ثبوت مغادرة شحر الدين للجزائر ووجود وثائق أو تسجيلات بحوزته، فإن القضية يمكن أن تأخذ أبعادًا تتجاوز الشخص نفسه لتلامس شبكة العلاقات بين الإدارة المحلية والقطاع العقاري ورجال الأعمال ومراكز النفوذ. فالقضية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة إعلامية لأشخاص لم تثبت إدانتهم، كما لا ينبغي أن تكون الاتهامات الخطيرة ذريعة لإغلاق باب التحقيق إذا كانت هناك وثائق حقيقية تستحق الفحص.

