تأملت برنامج المهرجان الصيفي الدولي بسيدي بوزيد، فوجدت أسماء تونسية يعرفها الجمهور ويحبها: غازي العيادي، رؤوف ماهر، عرض "ريحة ورنة"، Young RZ، "نس كوليب"، وBlingos. ثم رفعت بصري إلى أعلى الملصق، فإذا بكلمة "الدولي" تتصدر المشهد، أكبر حجمًا من البرنامج نفسه، حتى خُيّل إليّ أن بقية دول العالم تأخرت عن الحفل أو ضلت الطريق إلى سيدي بوزيد! وللتوضيح، فالمشكلة ليست في الفنانين. على العكس، لكل واحد منهم جمهوره ومسيرته الفنية. لكن السؤال الحقيقي هو: أين تكمن "الدولية"؟ هل أصبحت كلمة "دولي" مثل البهارات، نرشها على أي مهرجان فيكتسب نكهة عالمية؟ أم أن هناك معايير لا يعلمها إلا الراسخون في تنظيم المهرجانات؟ في كل أنحاء العالم، يكتسب المهرجان صفته الدولية لأنه يستضيف العالم. أما عندنا، فيبدو أن العالم هو من يحصل على تأشيرة لدخول المهرجان... بمجرد قراءة اللافتة!
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها كلمة "دولي" تُوزع بسخاء يفوق توزيع المناشير الإشهارية. وإذا استمر الأمر على هذا النحو، فقد نستيقظ يومًا على "بطولة دولية للحي الشعبي"، أو "دوري عالمي لكرة الحومة"، وربما "المقهى الدولي" و"المخبزة الدولية".
.. ما دام اللقب لا يحتاج إلا إلى قرار، لا إلى مضمون. وسيدي بوزيد ليست محل النقد، فهي مدينة بتاريخها ونضالاتها تستحق مهرجانًا كبيرًا، بل وتستحق أن يكون دوليًا بالفعل، لا باللافتة فقط. أما الفنانون، فهم آخر من ينبغي تحميلهم مسؤولية هذا الالتباس، لأنهم يؤدون دورهم، بينما يبقى السؤال موجهًا إلى من يمنح الألقاب. إن الثقافة ليست مسابقة في اختيار أكبر عنوان، بل في تقديم أفضل محتوى. والعالمية ليست خطًا طباعيًا عريضًا، بل انفتاحًا حقيقيًا على الثقافات والفنانين والجمهور. لذلك سنواصل فتح هذا الملف، لا بحثًا عن الإثارة، بل دفاعًا عن قيمة الكلمات. فحين تصبح جميع المهرجانات "دولية"، تفقد الكلمة معناها، تمامًا كما تفقد العملة قيمتها عندما تُطبع بلا رصيد. ويبقى السؤال معلقًا: هل نحن أمام مهرجانات دولية فعلًا... أم أمام لافتات تسافر أكثر من برامجها؟

