وفي هذا السياق، يكتسب الاتفاق الدفاعي الثلاثي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة أهمية تتجاوز حدود الدول الثلاث، ويفتح الباب أمام أسئلة استراتيجية أكبر حول مستقبل الأمن في العالم الإسلامي، وحول الدول التي يمكن أن تنضم لاحقًا إلى هذا المسار. الاتفاق الذي أُعلن توقيعه في 7 أوت 2026 يقوم، وفق المعطيات المتاحة، على مبدأ أساسي يتمثل في اعتبار أي اعتداء مسلح على دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني. كما أكدت باكستان أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية وليس موجّهًا ضد دولة محددة، وأن الباب يمكن أن يبقى مفتوحًا أمام دول أخرى وفق شروط التعاون والالتزام بالحلول السلمية للنزاعات. وهنا تحديدًا تبرز الجزائر.
العالم يتغير… والجزائر مطالبة بقراءة ما وراء المشهد
التحولات التي تجري في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وتركيا ليست مجرد اتفاقات عسكرية منفصلة، وإنما قد تكون جزءًا من إعادة تشكيل تدريجية لخريطة التحالفات.
فالسعودية تمتلك ثقلًا ماليًا واقتصاديًا هائلًا، وباكستان تمتلك جيشًا كبيرًا وقدرات نووية، فيما طورت تركيا خلال السنوات الأخيرة قاعدة صناعية ودفاعية وتكنولوجية أصبحت تمنحها هامشًا أوسع من الاستقلال الاستراتيجي. وهنا تكمن أهمية المعادلة.
المال السعودي مع القوة العسكرية والردع الباكستاني مع التكنولوجيا والصناعة الدفاعية التركية يمكن أن يشكل مزيجًا يحمل وزن كبير إذا تطور التعاون بين هذه الأطراف من اتفاق دفاعي إلى منظومة أوسع للتصنيع والتكنولوجيا والأمن والاقتصاد. لكن يجب التعامل مع هذه الفكرة بحذر: فالمعطيات العلنية لا تثبت أن الاتفاق يمثل "مظلة نووية" سعودية أو تركية، ولا أن باكستان تعهدت بنقل أو إتاحة قدراتها النووية لأي طرف. الحديث عن البعد النووي هنا يتعلق بالوزن الاستراتيجي لوجود دولة نووية داخل منظومة الردع، لا بوجود اتفاق معلن لتقاسم السلاح النووي.
وهذا فارق مهم.
لماذا الجزائر معنية؟
الجزائر ليست دولة هامشية حتى تبحث عن تحالف يحميها، بل هي دولة تمتلك عناصر قوة مستقلة: موارد الطاقة، الموقع الجغرافي، الجيش، العمق الإفريقي، العلاقات العربية، التاريخ الدبلوماسي، والحضور في ملفات إقليمية عديدة.
لكن القوة لا تعني الاكتفاء بالمراقبة.
فالدول الكبرى والمتوسطة التي تريد الحفاظ على وزنها لا تنتظر حتى تكتمل التحالفات حولها، وإنما تدرس مبكرًا كيف يمكنها التأثير فيها أو الاستفادة منها.
ومن هنا يمكن للجزائر أن تطرح على نفسها سؤالًا استراتيجيًا واضحًا: هل تكتفي بمراقبة ولادة ترتيبات أمنية جديدة في العالم الإسلامي، أم تدخل مبكرًا في النقاش حول شكلها ومستقبلها؟
المشاركة الجزائرية، إن طُرحت أصلًا، لا ينبغي أن تكون بالضرورة انضمامًا عسكريًا مباشرًا، وإنما يمكن أن تبدأ من مستويات التعاون الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي والأمني، وصولًا إلى صيغة تحفظ للجزائر استقلال قرارها الاستراتيجي.
ما الذي يمكن أن تحصل عليه الجزائر؟
إذا قررت الجزائر دراسة التقارب مع هذا المحور، فإن المكاسب المحتملة لا تختصر في الجانب العسكري. هناك أولًا التعاون في الصناعات الدفاعية.
تركيا أصبحت لاعبًا مهمًا في صناعة الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية والإلكترونيات والصناعات العسكرية، بينما تمتلك الجزائر قاعدة صناعية عسكرية وخبرة طويلة في مجال التسليح. وقد يسمح التعاون بين الطرفين بتطوير قدرات محلية في مجالات التكنولوجيا والصيانة والتصنيع المشترك. ثم يأتي الاقتصاد. السعودية تمتلك إمكانات استثمارية ضخمة، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية واسعة، وباكستان تمتلك سوقًا وموارد بشرية وموقعًا استراتيجيًا يصل جنوب آسيا بالشرق الأوسط.
أما الجزائر، فتملك الطاقة والموقع والموارد والسوق والبوابة الإفريقية.
إن جمع هذه العناصر في شبكة تعاون اقتصادية لا يعني إنشاء تكتل مغلق، لكنه يمكن أن يفتح فرصًا جديدة في الطاقة والصناعة والبنية التحتية والتكنولوجيا والأمن الغذائي.
وماذا عن البعد النووي؟
هنا توجد إحدى أكثر النقاط حساسية. باكستان دولة نووية، وهذا يمنحها وزنًا استراتيجيًا مختلفًا عن معظم الدول الإسلامية. وفي المقابل، تمتلك تركيا قاعدة صناعية وتكنولوجية متطورة، بينما تتمتع السعودية بثقل مالي واقتصادي وإقليمي.
هذه العناصر الثلاثة تخلق معادلة ردع غير تقليدية. لكن من الخطأ اختزالها في فكرة "تحالف نووي إسلامي"، لأن الاتفاق المعلن لا يطرح هذا الأمر بهذه الصيغة. الأكثر واقعية هو النظر إلى وجود باكستان النووية باعتباره أحد عناصر الثقل الاستراتيجي داخل المنظومة، إلى جانب القدرات العسكرية التركية والقوة الاقتصادية السعودية.
وهذا وحده كافٍ لجعل التطور جديرًا بالمتابعة الجزائرية الدقيقة.
الجزائر والمغرب… حسابات أخرى
لا يمكن الحديث عن الخيارات الاستراتيجية الجزائرية من دون التوقف عند محيطها المغاربي. فالتنافس الجزائري المغربي أصبح جزءًا من بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والطاقة والعلاقات الدولية. كما أن الحضور الإسرائيلي المتزايد في المنطقة، وخاصة علاقاته الدفاعية والتكنولوجية مع المغرب، يضيف عنصرًا جديدًا إلى الحسابات الجزائرية. لكن ينبغي هنا تجنب القراءة التبسيطية التي تجعل كل تحالف جديد موجهًا تلقائيًا ضد إسرائيل أو المغرب.
الجزائر تحتاج إلى شيء أكثر أهمية من ذلك: توسيع هامش المناورة. وكلما امتلكت الجزائر علاقات استراتيجية متعددة ومتوازنة، ازدادت قدرتها على التفاوض ورفض الضغوط والبحث عن مصالحها بعيدًا عن سياسة المحاور المغلقة.
الجزائر لا تحتاج إلى محور… بل إلى خيارات
الجزائر ليست مطالبة بأن تختار بين الشرق والغرب، ولا بين واشنطن وموسكو أو أنقرة والرياض، ولا بأن تدخل في تحالف لمجرد أن دولًا أخرى دخلته. الاستراتيجية الأفضل هي بناء شبكة واسعة من الشراكات دون التفريط في القرار الوطني. فالجزائر تملك علاقات مع روسيا والصين وأوروبا ودول عربية وإفريقية، وتستطيع في الوقت نفسه تطوير علاقاتها مع تركيا والسعودية وباكستان وغيرها.
وهذه السياسة تمنحها ما تحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر: المرونة الاستراتيجية.
هل يمكن أن تصبح الجزائر جزءًا من المعادلة؟ السؤال لم يعد افتراضيًا بالكامل، خصوصًا مع إعلان الاتفاق الثلاثي وفتح الباب أمام دول أخرى، وفق ما نقلته التصريحات الباكستانية حول طبيعة الاتفاق وإمكان توسيع التعاون. لكن دخول الجزائر، إن حدث، يجب أن يكون نتيجة تفاوض دقيق حول المصالح الوطنية، لا مجرد استجابة للزخم السياسي.
فالجزائر يمكن أن تسأل: ماذا ستحصل عليه؟ ماذا ستقدم؟ ما حدود الالتزامات الدفاعية؟ هل يحافظ الاتفاق على استقلال القرار العسكري الجزائري؟ ما المكاسب الاقتصادية والتكنولوجية؟ هل يمكن تطوير صناعات مشتركة؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الشراكة إلى منصة للتعاون مع إفريقيا بدل أن تكون مجرد تحالف عسكري جديد؟ هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال: "مع من تقف؟"
اتفاق مكة قد يكون بداية لا نهاية
من المبكر جدًا القول إن اتفاق مكة سيصبح نسخة إسلامية من حلف شمال الأطلسي. وحتى التحليلات الحالية تحذر من المقارنة المباشرة بين الاتفاقين، بسبب اختلاف البنية والالتزامات والمؤسسات. لكن أهمية الاتفاق تكمن في شيء آخر: أنه يعكس استعداد قوى إقليمية لإعادة التفكير في أمنها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الترتيبات التقليدية. وهذا بحد ذاته تطور يستحق الدراسة. فالسنوات المقبلة قد تشهد مزيدًا من التكتلات المرنة، والتعاون الدفاعي، والشراكات التكنولوجية، واتفاقات الطاقة والاستثمار بين دول كانت في السابق تتحرك كل واحدة منها ضمن مسارات منفصلة. وفي هذا العالم، يصبح وزن الدولة مرتبطًا ليس فقط بما تملكه، بل أيضًا بشبكة العلاقات التي تستطيع بناءها وإدارتها.
الجزائر أمام لحظة استراتيجية
الجزائر تملك أوراقًا قوية، لكن الأوراق لا تصبح قوة فعلية إلا عندما تُستخدم في الوقت المناسب. لديها الطاقة، والموقع، والجيش، والسوق، والعمق الإفريقي، والعلاقات العربية، والتجربة الدبلوماسية. وهي لذلك ليست مطالبة بالانضمام إلى أي تحالف تحت ضغط التطورات. بل العكس تمامًا. عليها أن تجعل من قوتها سببًا يجعل الآخرين يرغبون في شراكتها. إن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الطاقة والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد. وفي مثل هذه المرحلة، فإن الدولة التي تنتظر حتى تتشكل الخريطة الجديدة قد تجد نفسها مضطرة للتكيف معها. أما الدولة التي تقرأ التحولات مبكرًا، فتستطيع أن تكون جزءًا من رسمها. ولهذا فإن اتفاق مكة يجب ألا يُقرأ في الجزائر باعتباره خبرًا يخص السعودية وتركيا وباكستان فقط. بل باعتباره إشارة استراتيجية تستحق الدراسة الهادئة والعميقة.
فالرهان الحقيقي ليس الدخول في محور جديد، وإنما ضمان ألا تجد الجزائر نفسها خارج أي منظومة إقليمية أو دولية جديدة تتشكل حولها. الاستقلال الاستراتيجي لا يعني البقاء منفردًا، بل امتلاك ما يكفي من القوة والشراكات والخيارات حتى لا يستطيع أحد فرض موقعك عليك. وهذه ربما هي المعادلة التي تحتاجها الجزائر إلى التفكير فيها من الآن.

