الفكرة ليست جديدة، بل يمكن أن تمثل أداة عملية لتعزيز الرقابة الميدانية وتسهيل وصول المعلومة إلى الجهات المختصة، خاصة في المناطق التي قد تتأخر فيها المعاينة أو التدخل. فالمواطن موجود في الشارع، وفي الأسواق، وفي الأحياء، وغالبًا ما يكون أول من يلاحظ تجاوزًا أو مخالفة أو ممارسة تضر بالمصلحة العامة.
المواطن.. عين إضافية للدولة
لا يمكن لأي جهاز إداري أو رقابي، مهما كانت إمكاناته، أن يكون حاضرًا في كل مكان وفي كل وقت. لذلك فإن إشراك المواطن في منظومة الرقابة يمكن أن يساعد على كشف التجاوزات بسرعة، شرط أن يتم ذلك عبر قنوات رسمية تحمي المبلّغ وتضمن في المقابل عدم تحويل التبليغ إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو نشر الاتهامات الكيدية. ومن هنا تأتي أهمية الخط الأخضر المجاني: رقم واضح وسهل الحفظ، يعمل على مدار الساعة، يتلقى البلاغات ويصنفها ويوجهها مباشرة إلى الجهة المختصة، مع إمكانية متابعة المواطن لمآل البلاغ، دون أن يحل ذلك محل الأجهزة الرقابية والقضائية.
الاحتكار والمضاربة.. مواجهة تبدأ بالمعلومة
تواجه تونس، مثل غيرها من البلدان، تحديات مرتبطة بالأسعار وتوفير بعض المواد الأساسية وتوازن الأسواق. وأمام هذه الأوضاع، تصبح سرعة الحصول على المعلومة عنصرًا أساسيًا في مواجهة المخالفات. فإذا أبلغ مواطن عن تخزين كميات كبيرة من مادة أساسية بقصد المضاربة، أو عن ممارسة تجارية غير قانونية، أو عن تجاوز يمسّ صحة المستهلك أو قدرته على الحصول على حاجياته، فإن وصول المعلومة بسرعة إلى أجهزة الرقابة يمكن أن يساعد على التدخل قبل تفاقم المشكلة. لكن ذلك يتطلب أيضًا أن تكون الدولة قادرة على الاستجابة للبلاغات، لأن الخط الأخضر يفقد معناه إذا تحوّل إلى مجرد صندوق لتلقي الشكاوى دون متابعة أو نتائج.
لا مكان للاتهامات دون دليل
وفي خضم الأزمات، تنتشر أحيانًا روايات تتحدث عن مخططات خفية وأطراف داخلية وخارجية تسعى إلى إشاعة الفوضى أو ضرب استقرار البلاد. ومهما كانت طبيعة هذه الادعاءات، فإن التعامل معها يجب أن يكون من خلال الأدلة والتحقيقات الرسمية. فالدولة القوية لا تحتاج إلى الشائعات لإثبات قدرتها على حماية المجتمع، وإنما تحتاج إلى مؤسسات رقابية وقضائية فعالة، وإلى معلومات دقيقة، وإلى قانون يطبق على الجميع دون استثناء.
كما أن حرية التعبير والاحتجاج السلمي تظل من الحقوق التي يجب احترامها في إطار القانون، في حين أن التجاوزات أو الاعتداءات أو تعطيل مصالح المواطنين، متى ثبتت، يجب أن تواجه بالقانون أيضًا، بعيدًا عن التسييس والتعميم.
المسؤولية تبدأ من الإدارة المحلية
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل دور المسؤولين المحليين والجهويين. فالإدارة القريبة من المواطن يفترض أن تكون الأكثر قدرة على معرفة المشاكل اليومية والتدخل السريع لمعالجتها. وأي تقصير أو تأخير في التعامل مع شكاوى المواطنين، إذا ثبت، يجب أن يخضع للتقييم والمساءلة وفق الإجراءات القانونية. فالمسؤولية ليست امتيازًا، وإنما تكليف وخدمة عامة، ومن حق المواطن أن يعرف من يتحمل مسؤولية القرار ومن يتحمل مسؤولية التقصير.
خط أخضر.. ومتابعة حقيقية
المطلوب إذن ليس مجرد إنشاء رقم هاتفي جديد، وإنما بناء منظومة متكاملة: خط أخضر مجاني وسهل الوصول، استقبال البلاغات على مدار الساعة، تصنيف الشكاوى حسب طبيعتها وخطورتها، توجيه البلاغ فورًا إلى الجهة المختصة، حماية هوية المبلّغ عند الحاجة، محاربة البلاغات الكيدية والمعلومات المضللة، تمكين المواطن من متابعة مآل شكواه، نشر مؤشرات دورية حول عدد البلاغات والتدخلات والنتائج. بهذه الطريقة يصبح المواطن شريكًا في حماية المصلحة العامة، لا مجرد متفرج على ما يحدث من حوله.
إن تونس في حاجة اليوم إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالاستجابة والشفافية والمساءلة وتطبيق القانون. فإذا كان المواطن قادرًا على الإبلاغ، وكانت الدولة قادرة على الاستجابة، فإن المسافة بين المشكلة والحل يمكن أن تصبح أقصر بكثير.
خط أخضر مجاني، مواطن مسؤول، إدارة مستجيبة، وقانون فوق الجميع.. ربما تكون هذه واحدة من الأدوات العملية التي تساعد على حماية الاقتصاد، ومواجهة الفساد والمضاربة، وصون كرامة المواطن واستقرار البلاد.