وفي حديث طبي تناول أسباب هذه الأمراض والعوامل التي تسببت في ارتفاع معدلات الإصابة بها، شبّه خبير الصحة العالمية البروفيسور فؤاد عودة، الجهاز المناعي بجيش مهمته حماية قرية من الأخطار، لكنه في حالة أمراض المناعة الذاتية ينحرف عن مهمته، فيتحول من الدفاع عن القرية إلى مهاجمتها.
جهاز مناعي قوي.. لكن في الاتجاه الخطأ
وأوضح البروفيسور فؤاد عودة أن وصف أمراض المناعة الذاتية بأنها ناتجة ببساطة عن «ضعف المناعة» ليس دقيقًا، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن أساسًا في اختلال توجيه الاستجابة المناعية. فالجهاز المناعي في هذه الحالات لا يتوقف عن العمل، بل قد يبالغ في الاستجابة أو يخطئ في تحديد الهدف، فيتعامل مع بعض خلايا الجسم وأنسجته كما لو كانت أجسامًا غريبة تستوجب الهجوم. وهذا الخلل يمكن أن يرتبط بأمراض مختلفة، تختلف أعراضها وتأثيراتها بحسب الأعضاء أو الأنسجة التي تتعرض للهجوم.
ارتفاع لافت في معدلات الإصابة
وأشار الطبيب إلى تسجيل ارتفاع كبير في أمراض المناعة الذاتية خلال السنوات الأخيرة، متحدثًا عن زيادة قدرها 32% خلال السنوات الأربع الأخيرة، وفق المعطيات التي استند إليها في حديثه. ويربط الطبيب هذا الارتفاع بعدد من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها التغير الكبير الذي طرأ على نمط الحياة المعاصر، إضافة إلى ارتفاع مستويات التوتر والضغط النفسي. وتبقى هذه العوامل، بحسب الطرح الطبي، جزءًا من صورة أكثر تعقيدًا، إذ لا يمكن اختزال أمراض المناعة الذاتية في سبب واحد، وإنما تتداخل فيها عوامل متعددة قد تختلف من شخص إلى آخر.
التوتر ونمط الحياة تحت المجهر
ويأتي التوتر المزمن وتغير أنماط الحياة ضمن العوامل التي تحظى باهتمام متزايد عند دراسة صحة الجهاز المناعي.
فالحياة الحديثة فرضت على كثير من الأشخاص إيقاعًا سريعًا، وضغوطًا مستمرة، وتغيرات في العادات اليومية، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من البحث في العلاقة بين هذه العوامل واضطرابات المناعة.
غير أن وجود عامل محتمل لا يعني بالضرورة أنه سبب مباشر للمرض؛ فأمراض المناعة الذاتية معقدة، وقد تنتج عن تفاعل عوامل وراثية وبيئية ومناعية مختلفة.
ليست مرضًا واحدًا
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح «أمراض المناعة الذاتية» لا يشير إلى مرض واحد، بل إلى مجموعة واسعة من الأمراض التي قد تصيب أعضاء وأجهزة مختلفة من الجسم. ولهذا السبب تختلف الأعراض من حالة إلى أخرى، وقد تكون بعض الحالات مرتبطة بالجلد أو المفاصل، بينما تؤثر حالات أخرى في الغدة الدرقية أو الجهاز الهضمي أو أعضاء أخرى. كما أن التشخيص المبكر يظل مهمًا، خصوصًا عندما تستمر أعراض غير معتادة أو متكررة، لأن تحديد طبيعة المشكلة يساعد على اختيار العلاج والمتابعة المناسبة.
عندما يخطئ جهاز الحماية في تحديد العدو
وتلخص استعارة فؤاد عودة جوهر المشكلة: الجهاز المناعي ليس بالضرورة جيشًا ضعيفًا، وإنما جيش قد يخطئ في تحديد الاتجاه والهدف. ومع استمرار الأبحاث حول أسباب ارتفاع أمراض المناعة الذاتية، تبدو الحاجة أكبر إلى فهم تأثير نمط الحياة والضغوط النفسية والعوامل البيئية والوراثية، بعيدًا عن التفسيرات المبسطة التي تختزل المسألة في «ضعف المناعة». وفي النهاية، يبقى الجهاز المناعي أحد أكثر أنظمة الجسم تعقيدًا، وأي خلل في آليات التمييز بين «الذات» و«العدو» يمكن أن يحول منظومة الحماية نفسها إلى مصدر للمرض.

