افتتاح مهرجان عيد الحوت جاء هذه المرة بصورة تشبه حلق الوادي نفسها: بحر، تراث، ناس، وأكل! فبينما كانت رائحة الأسماك تتسلل من المطاعم والمحلات، كان الزوار يتنقلون بين أجواء الكرنفال والمدينة، وكأن الحوت أصبح رسمياً جزءاً من المشهد الثقافي التونسي، وربما هو سعيد بذلك أكثر منا!
ومع حلول الليل، أخذت السهرة منحى آخر مع الفنان أحمد جلمام، حيث اجتمع الجمهور حول الموسيقى الصوفية في فضاء قريب من البحر. نساء ورجال، كبار وصغار، كلهم وجدوا في تلك السهرة لحظة هدوء وسط صخب الحياة، وكأن البحر نفسه كان يستمع ويردد معهم. والجميل أن المهرجان لم يكن مجرد موسيقى وأضواء، بل حرّك المدينة أيضاً. نقاط بيع الأسماك من المنتج إلى المستهلك، المطاعم والمحلات، وحركة الزوار، كلها جعلت حلق الوادي تعيش ليلة اقتصادية وسياحية إلى جانب فرحتها الثقافية.
فالمدينة التي تفرح وتبيع وتشتري في الوقت نفسه، تكون قد فهمت شيئاً مهماً من معنى المهرجان. لكن خلف كل هذا، هناك معنى أعمق: المدن لا تعيش فقط بما تبنيه الدولة، بل بما تحتفظ به من ذاكرة وروح. وحلق الوادي، بتاريخها وبحرها ومطاعمها ولهجتها وناسها، تملك شخصية لا تحتاج إلى الكثير من التجميل؛ تحتاج فقط إلى أن نتركها تظهر. مهرجان عيد الحوت ليس احتفالاً بالسمك فقط، بل احتفال بمدينة تعرف كيف تجمع البحر بالتراث، والموسيقى بالمائدة، والفرح بالذاكرة. وربما هذه هي الفلسفة التونسية الأجمل: نبحث عن معنى الحياة في الموسيقى... ثم نعود في النهاية نسأل: الحوت بشحال الكيلو؟