تونس أصبحت من أكثر البلدان استهلاكاً للمياه المعلبة. سنة 2010 كنا نستهلك حوالي 879 مليون لتر، وفي سنة 2022 ارتفع الرقم إلى حوالي 3.275 مليار لتر. وفي التسعة أشهر الأولى من 2025 وحدها، وصل الاستهلاك إلى حوالي 2.1 مليار لتر، بقيمة تناهز 790 مليون دينار. يعني التونسي لم يعد يشري قارورة ماء وقت السفر فقط، القارورة ولات جزءاً من الحياة اليومية، وولات عندها اقتصاد كامل وراءها. وعندنا، حسب الأرقام المتداولة، حوالي 31 مصنعاً للمياه المعلبة، بطاقة إنتاج تصل إلى حوالي 500 ألف قارورة في الساعة. نعم، 500 ألف قارورة في الساعة! رقم يخليك تتخيل أن تونس المفروض تكون غارقة في القوارير. لكن جرّب اليوم، وقت الأزمة، تمشي تشري قارورة. هنا تبدأ الكوميديا السوداء: المصانع تنتج... المواطن لا يجد.
وهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها. لأن المشكلة لم تعد فقط: «هل عندنا ماء؟» المشكلة أصبحت: أين ذهب الماء؟ وأين ذهبت القوارير؟ ومن يملك القدرة على التوزيع عندما يرتفع الطلب؟ نحن أمام سوق يمكنها نظرياً إنتاج ملايين القوارير، لكن عند ارتفاع الطلب أو حصول اضطراب في التزويد، تظهر الرفوف الفارغة بسرعة. وكأن القارورة تقول للمواطن: «سامحني... اليوم أنا زادة في عطلة!» والأغرب أن قطاع تعليب المياه، وفق الرقم المتداول، لا يستهلك سوى حوالي 0.19% من موارد المياه. إذا كان الرقم دقيقاً، فهذا يعني أن مصانع المياه المعلبة ليست هي التي «تشرب» تونس. المشكلة أكبر. تونس تعيش تحت ضغط مائي حقيقي: موارد محدودة، سنوات جفاف، ارتفاع درجات الحرارة، تراجع المخزون في السدود، استهلاك فلاحي كبير، شبكات متعبة وتسربات، ومشاكل في التوزيع والتصرف.
لكن عندما ينقطع الماء من الحنفية، يتحول المواطن مباشرة إلى السوق. وهنا تحدث المفارقة: الماء العمومي غائب... والماء المعلب يصبح ضرورة. لكن ماذا يحدث عندما تصبح القارورة نفسها نادرة؟ يبدأ المواطن بالتخزين. العائلة التي كانت تشري قارورتين، تولي تشري عشرة، واللي كان يشري pack، يولي يشري packين. والحانوت الذي كان عنده عشرات القوارير، يفرغ مخزونه بسرعة. والطلب يرتفع، والخوف يرتفع، والقارورة تختفي أكثر.
وهكذا تتحول أزمة الماء إلى أزمة ثقة أيضاً. المواطن لا يعرف متى يرجع الماء، ولا يعرف متى تنتهي الأزمة، ولا يعرف هل يجد القارورة غدوة أم لا. وهنا تظهر أهمية المخزون الاستراتيجي.
تتداول أرقام عن مخزون استراتيجي في حدود 30 مليون لتر، وهو رقم يبدو محدوداً جداً مقارنة بحجم الاستهلاك الوطني، خاصة خلال فترات الحرارة الشديدة. لأننا، من جهة، نستهلك 3.275 مليار لتر في السنة حسب أرقام 2022، ومن جهة أخرى، يمكن أن نجد أنفسنا في أزمة ونبحث عن قارورة ماء في الحانوت ولا نجدها. يعني عندنا اقتصاد كامل للمياه المعلبة، لكن وقت الأزمة نسأل السؤال البدائي: «وين الماء؟»
وهنا لا نحتاج إلى أن نقول إن «العطش مصنوع» حتى نفهم أن هناك خللاً يستحق التحقيق. قد لا تكون هناك مؤامرة، وقد لا يكون هناك شخص جالس في مكتب مظلم ويقول: «اليوم نقصوا الماء على التوانسة». لكن هناك شيئاً مؤكداً: منظومة الماء تحتاج إلى مراجعة من الجذور. من الموارد، إلى السدود، إلى الآبار، إلى الشبكات، إلى التوزيع، إلى التخزين، إلى تعليب المياه، إلى النقل، وصولاً إلى الحانوت الذي يقف أمامه المواطن في منتصف أوت وهو يبحث عن قارورة. لأن تونس لا يمكن أن تبني أمنها المائي على فكرة: «إذا قص الماء... اشري قارورة.» وخصوصاً إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الرد: «حتى القارورة ما عادش موجودة!»
وهنا يصبح السؤال أكبر من الماء: كيفاش بلد عنده 31 مصنعاً، وقدرة إنتاج تناهز 500 ألف قارورة في الساعة، وسوق تستهلك مليارات اللترات، يلقى مواطنوه رواحهم وقت الأزمة يدوروا على قارورة ماء؟ هذه ليست قصة قارورة. هذه قصة توزيع، ومخزون، ونقل، واحتكار محتمل، وتوقع للأزمات، وقدرة دولة على إدارة مورد أساسي. والأخطر أن المواطن في النهاية لا يهمه شكون المسؤول. لا يهمه Castel، ولا SFBT، ولا مزابي، ولا دليس، ولا بوجبل. هو يريد شيئاً بسيطاً جداً: يفتح الحنفية... يخرج الماء. وإذا ما خرجش الماء، يمشي للحانوت... يلقى القارورة. أما إذا لا الماء خرج من الحنفية، ولا القارورة لقاها في الحانوت... فهنا، يا سادة، لا تعود المشكلة عطشاً فقط. تصبح الدولة نفسها عطشانة إلى خطة مائية.