يكفي أن تفتح قارورة ماء، أو تقتني مشروباً غازياً، أو تمر أمام ثلاجة مشروبات، حتى يظهر اسم Castel أو SFBT، لتبدأ سريعاً الحكاية: «رأس المال الفرنسي ما زال موجوداً في تونس». لكن بعيداً عن الشعارات، ماذا تقول الأرقام والوقائع؟ بيار كاستل، المولود سنة 1926، هو مؤسس مجموعة Castel الفرنسية، التي أصبحت واحدة من أبرز المجموعات العالمية في قطاع المشروبات، وتوسعت على مدى عقود في فرنسا وعدد من الدول الإفريقية، خصوصاً في مجالات البيرة والمشروبات الغازية والمياه.
وفي تونس، يرتبط اسم المجموعة أساساً بـ الشركة التونسية لصناعة المشروبات الغازية SFBT، التي تعود جذورها إلى سنة 1889، وأصبحت اليوم من أكبر الفاعلين في قطاع المشروبات في البلاد، وتضم مجموعة من الشركات والعلامات التجارية. وتكمن إحدى أهم النقاط في هيكل الملكية في أن مجموعة Castel أصبحت المساهم الأكبر في SFBT، بحصة تناهز 64% وفق المعطيات المنشورة خلال سنة 2026. وبذلك، فإن من يريد البحث عن حضور رأس المال الفرنسي في تونس لن يحتاج بالضرورة إلى فتح كتب التاريخ، بل يكفيه أن ينظر في معطيات البورصة.
من الماء إلى المشروبات... حضور واسع
القصة لا تتوقف عند قارورة الماء. فـSFBT حاضرة بقوة في سوق البيرة والمشروبات الغازية والمياه المعلبة، وتملك أو تدير مجموعة من العلامات المعروفة لدى المستهلك التونسي. وفي قطاع المياه تحديداً، نجد أسماء مثل صافية، مروى، مليتي، ڤارسي، كريستالين وعين اقطر وغيرها. كما توسعت المجموعة في هذا القطاع من خلال عمليات استحواذ، من بينها الاستحواذ على شركة SOSTEM سنة 2003. وهكذا يمكن للمستهلك التونسي أن يشتري قارورة ماء في الصباح، ومشروباً غازياً في الظهيرة، ومنتجاً آخر في المساء، من دون أن ينتبه بالضرورة إلى أن عدداً من هذه المنتجات يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالمجموعة الاقتصادية نفسها. ومن هنا تولد العبارة الساخرة: من القارورة إلى البوشون، ومن الغازوز إلى البيرة... رأس المال يعرف جيداً طريقه إلى عطش التونسي.
هل يعني ذلك أن الاستعمار عاد؟
امتلاك مجموعة فرنسية لحصة كبيرة في شركة تونسية لا يعني، في حد ذاته، وجود «مؤامرة استعمارية». فالاستثمار الأجنبي ليس استعماراً، وجنسية المستثمر لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة العلاقة الاقتصادية.
السؤال الحقيقي أكثر جدية من ذلك بكثير: من يملك؟ من يقرر؟ من يربح؟ كم تدفع الشركات من ضرائب؟ كيف تتم مراقبتها؟ وما القيمة التي تعود على الاقتصاد التونسي من هذه الاستثمارات؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش، لا مجرد رفع شعار «الاستعمار عاد». فالمشكلة، في جوهرها، ليست دائماً في جنسية المستثمر، وإنما في قوة رأس المال، وشفافية الملكية، ودرجة المنافسة، والرقابة، والحوكمة، وعلاقة الشركات بالموارد الوطنية والسوق المحلية.
ومن المفارقات أن الخطاب الشعبي قد يتعامل أحياناً مع المستثمر الأجنبي وفق جنسيته: إذا كان فرنسياً فهو «استعمار»، وإذا كان تركياً يصبح الأمر «سياسة أردوغان»، وإذا كان قطرياً يقال «باعوا البلاد»، أما إذا كان تونسياً فقد يتحول الأمر ببساطة إلى «رجل أعمال ناجح».
بين التاريخ والاقتصاد
لا شك أن الذاكرة الاستعمارية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي التونسي، ومن الطبيعي أن تثير ملكية رأس المال الأجنبي لشركات كبرى نقاشاً حول السيادة الاقتصادية. لكن السيادة الاقتصادية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرة الدولة على معرفة من يملك الأصول، وضمان المنافسة، وفرض القوانين والضرائب، وحماية المستهلك، ومراقبة القطاعات الحساسة، وضمان أن تكون الاستثمارات الأجنبية إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
أما بيار كاستل، الذي بلغ عامه المائة، فلم يعد بحاجة إلى جواز سفر كي يذكّر البعض بالحضور الفرنسي في تونس. يكفي أن تدخل إلى الحانوت وتقول: «أعطيني قارورة ماء... وزيدني قازوزة.» لكن قبل أن نلعن «الاستعمار» في كل مرة، ربما علينا أن نطرح السؤال الأهم: من يقف فعلاً وراء القارورة؟ ومن يملك القرار الاقتصادي عندما تخرج القارورة من الثلاجة إلى يد المستهلك؟