عاجل
اقتصاد

خرج الاستعمار الفرنسي، لكنه رجع إلى تونس من باب قارورة سلتيا

من القارورة إلى البورصة، كيف أصبح رأس المال الفرنسي حاضر في سوق المشروبات التونسية؟
من القارورة إلى البورصة، كيف أصبح رأس المال الفرنسي حاضر في سوق المشروبات التونسية؟

من القارورة إلى البورصة، كيف أصبح رأس المال الفرنسي حاضر في سوق المشروبات التونسية؟

حضور مجموعة Castel الفرنسية في رأس مال SFBT، وحصتها الكبيرة في سوق المشروبات التونسية، يعيدان طرح سؤال السيادة الاقتصادية. لكن امتلاك رأس المال الأجنبي لشركة تونسية لا يعني بالضرورة عودة الاستعمار؛ فالمسألة الحقيقية تتعلق بشفافية الملكية، والمنافسة، والضرائب، والرقابة، ومدى استفادة الاقتصاد التونسي من الاستثمار الأجنبي.
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 3 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
خرج الاستعمار الفرنسي من تونس منذ عقود، وغادر الجنود والإدارة الاستعمارية، لكن يبدو أن بعضهم ما زال يبحث عن «بقايا فرنسا» في كل زاوية، حتى أصبحت قارورة الماء وعلبة المشروبات الغازية مدخلاً جاهزاً للحديث عن الاستعمار ورأس المال الأجنبي.
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

يكفي أن تفتح قارورة ماء، أو تقتني مشروباً غازياً، أو تمر أمام ثلاجة مشروبات، حتى يظهر اسم Castel أو SFBT، لتبدأ سريعاً الحكاية: «رأس المال الفرنسي ما زال موجوداً في تونس». لكن بعيداً عن الشعارات، ماذا تقول الأرقام والوقائع؟ بيار كاستل، المولود سنة 1926، هو مؤسس مجموعة Castel الفرنسية، التي أصبحت واحدة من أبرز المجموعات العالمية في قطاع المشروبات، وتوسعت على مدى عقود في فرنسا وعدد من الدول الإفريقية، خصوصاً في مجالات البيرة والمشروبات الغازية والمياه.

وفي تونس، يرتبط اسم المجموعة أساساً بـ الشركة التونسية لصناعة المشروبات الغازية SFBT، التي تعود جذورها إلى سنة 1889، وأصبحت اليوم من أكبر الفاعلين في قطاع المشروبات في البلاد، وتضم مجموعة من الشركات والعلامات التجارية. وتكمن إحدى أهم النقاط في هيكل الملكية في أن مجموعة Castel أصبحت المساهم الأكبر في SFBT، بحصة تناهز 64% وفق المعطيات المنشورة خلال سنة 2026. وبذلك، فإن من يريد البحث عن حضور رأس المال الفرنسي في تونس لن يحتاج بالضرورة إلى فتح كتب التاريخ، بل يكفيه أن ينظر في معطيات البورصة.

من الماء إلى المشروبات... حضور واسع

القصة لا تتوقف عند قارورة الماء. فـSFBT حاضرة بقوة في سوق البيرة والمشروبات الغازية والمياه المعلبة، وتملك أو تدير مجموعة من العلامات المعروفة لدى المستهلك التونسي. وفي قطاع المياه تحديداً، نجد أسماء مثل صافية، مروى، مليتي، ڤارسي، كريستالين وعين اقطر وغيرها. كما توسعت المجموعة في هذا القطاع من خلال عمليات استحواذ، من بينها الاستحواذ على شركة SOSTEM سنة 2003. وهكذا يمكن للمستهلك التونسي أن يشتري قارورة ماء في الصباح، ومشروباً غازياً في الظهيرة، ومنتجاً آخر في المساء، من دون أن ينتبه بالضرورة إلى أن عدداً من هذه المنتجات يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالمجموعة الاقتصادية نفسها. ومن هنا تولد العبارة الساخرة: من القارورة إلى البوشون، ومن الغازوز إلى البيرة... رأس المال يعرف جيداً طريقه إلى عطش التونسي.

هل يعني ذلك أن الاستعمار عاد؟

امتلاك مجموعة فرنسية لحصة كبيرة في شركة تونسية لا يعني، في حد ذاته، وجود «مؤامرة استعمارية». فالاستثمار الأجنبي ليس استعماراً، وجنسية المستثمر لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة العلاقة الاقتصادية.

بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
إقرأ كذلك
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
نشر يوم 2026-09-11

السؤال الحقيقي أكثر جدية من ذلك بكثير: من يملك؟ من يقرر؟ من يربح؟ كم تدفع الشركات من ضرائب؟ كيف تتم مراقبتها؟ وما القيمة التي تعود على الاقتصاد التونسي من هذه الاستثمارات؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش، لا مجرد رفع شعار «الاستعمار عاد». فالمشكلة، في جوهرها، ليست دائماً في جنسية المستثمر، وإنما في قوة رأس المال، وشفافية الملكية، ودرجة المنافسة، والرقابة، والحوكمة، وعلاقة الشركات بالموارد الوطنية والسوق المحلية.

ومن المفارقات أن الخطاب الشعبي قد يتعامل أحياناً مع المستثمر الأجنبي وفق جنسيته: إذا كان فرنسياً فهو «استعمار»، وإذا كان تركياً يصبح الأمر «سياسة أردوغان»، وإذا كان قطرياً يقال «باعوا البلاد»، أما إذا كان تونسياً فقد يتحول الأمر ببساطة إلى «رجل أعمال ناجح».

بين التاريخ والاقتصاد

لا شك أن الذاكرة الاستعمارية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي التونسي، ومن الطبيعي أن تثير ملكية رأس المال الأجنبي لشركات كبرى نقاشاً حول السيادة الاقتصادية. لكن السيادة الاقتصادية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرة الدولة على معرفة من يملك الأصول، وضمان المنافسة، وفرض القوانين والضرائب، وحماية المستهلك، ومراقبة القطاعات الحساسة، وضمان أن تكون الاستثمارات الأجنبية إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

أما بيار كاستل، الذي بلغ عامه المائة، فلم يعد بحاجة إلى جواز سفر كي يذكّر البعض بالحضور الفرنسي في تونس. يكفي أن تدخل إلى الحانوت وتقول: «أعطيني قارورة ماء... وزيدني قازوزة.» لكن قبل أن نلعن «الاستعمار» في كل مرة، ربما علينا أن نطرح السؤال الأهم: من يقف فعلاً وراء القارورة؟ ومن يملك القرار الاقتصادي عندما تخرج القارورة من الثلاجة إلى يد المستهلك؟

نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة
إقرأ كذلك
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة
نشر يوم 2026-09-18

أضف تعليق






اقرأ أيضا

هونور تكشف هاتف جديد: شاشة خلفية تفاعلية تعمل باللمس

هاتف ذكي جديد ينزل إلى الأسواق التونسية

أعلنت العلامة التكنولوجية العالمية HONOR عن إطلاق هاتفها الذكي الجديد HONOR Play...

إقرأ المزيد
الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد