وفي الوقت الذي تواصل فيه أعمال عدد من الفنانين العرب، مثل الشامي وبيسان إسماعيل والأخرس، حصد نسب استماع مرتفعة، تشهد الساحة التونسية بدورها بروز موجة من الأغاني التي تعتمد على عبارات شعبية بسيطة وسريعة التداول، لتصبح مادة أساسية في مقاطع الفيديو القصيرة على تيك توك.
ومن بين أبرز هذه الأعمال، برزت أغنية "شطحني يا سويح" للفنانة التونسية نجلاء، التي تصدرت قوائم التداول على المنصة، وأثارت فضول المتابعين حول معنى كلمة "سويح". ووفق الاستخدام المتداول في بعض اللهجات المغاربية، تشير الكلمة إلى الحبيب أو الرفيق أو الشخص المقرب، بينما توحي العبارة في سياق الأغنية بدعوة إلى الانطلاق في أجواء الفرح والرقص والاحتفال. وفي السياق ذاته، تحولت عبارة "يزي من جغ مغ يا حمة" إلى واحدة من أكثر الجمل تداولًا بين مستخدمي تيك توك، وهي مقتطف من أغنية للفنانة التونسية غادة الجريدي، صاحبة الصوت الطربي التي عرفها الجمهور من خلال مشاركتها في برنامج "ستار أكاديمي". وقد أثار هذا التحول تساؤلات لدى عدد من المتابعين حول توجه بعض الأصوات الفنية المعروفة إلى إنتاج أعمال تعتمد على عبارات خفيفة وسريعة الانتشار، بدل التركيز على الأغنية الكلاسيكية أو الطربية التي اشتهروا بها.
هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة التحولات التي يشهدها سوق الموسيقى. فهل يعكس هذا التوجه أزمة في الإنتاج الفني التونسي؟ أم أنه استجابة طبيعية لمتطلبات السوق الرقمية التي أصبحت تفرض إيقاعها على الفنانين والمنتجين؟ أم أن النجاح اليوم بات يقاس بقدرة الأغنية على التحول إلى "تراند" أكثر من قيمتها الفنية؟ ومع صعود المنصات الرقمية، تغيرت معايير النجاح بشكل واضح. فلم تعد جودة الكلمات أو قوة الأداء الصوتي أو ثراء اللحن وحدها كافية لضمان انتشار الأغنية، بل أصبح عنصر السرعة في التداول، وسهولة حفظ الجملة الموسيقية، وقابليتها للاستخدام في الفيديوهات القصيرة، من أهم عوامل صناعة النجاحات الجماهيرية. وبين من يعتبر هذه الظاهرة تطورًا طبيعيًا ينسجم مع تغير وسائل الاستهلاك الفني، ومن يرى فيها مؤشرًا على تراجع الذائقة الموسيقية لصالح المحتوى السريع، يبقى الجدل قائمًا حول مستقبل الأغنية العربية، وما إذا كانت المنصات الرقمية ستواصل رسم ملامحها خلال السنوات المقبلة.