في تارانتو، ستكون تونس حاضرة بـ181 رياضيًا ورياضية، 181 حلمًا، و181 فرصة جديدة لكتابة فصل من فصول الرياضة التونسية. فكل واحد منهم لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل معه علم بلد كامل، وتاريخًا رياضيًا صنعته أجيال من الأبطال الذين صعدوا منصات التتويج ورفعوا الراية التونسية في المحافل الدولية. وتستضيف إيطاليا منافسات ألعاب البحر الأبيض المتوسط تارانتو 2026 بمشاركة 26 دولة ونحو 3851 رياضيًا ورياضية. وتتصدر إيطاليا، بصفتها البلد المضيف، قائمة أكبر الوفود بـ498 مشاركًا، إلى جانب وفود كبيرة لتركيا وفرنسا واليونان والجزائر وإسبانيا ومصر وتونس.
أما تونس، فتدخل المنافسات بوفد يضم 181 رياضيًا ورياضية، وهو حضور يعكس مكانتها التقليدية في الحركة الرياضية المتوسطية. لكن الرقم يحمل، كعادته، مفارقة تونسية تستحق التأمل: نستطيع أن نرسل 181 رياضيًا إلى إيطاليا للمنافسة على الميداليات، بينما لا تزال بعض الرياضات تعاني في الداخل من نقص الملاعب والتجهيزات وظروف التدريب المناسبة. والأجمل أن الحضور النسائي سيكون لافتًا، مع مشاركة 69 رياضية تونسية ضمن الوفد، في دورة تسجل بدورها حضورًا نسائيًا قياسيًا. وهنا تؤكد الرياضة مرة أخرى حقيقة بسيطة: عندما تُفتح أبواب المنافسة أمام الكفاءة، لا يعود السؤال من رجل أو امرأة، بل يصبح السؤال الوحيد: من يستطيع أن يصل أولًا؟
إرث تونسي يتجاوز الميداليات
تونس ليست ضيفًا جديدًا على الألعاب المتوسطية. تاريخها مع هذه التظاهرة يمتد لعقود، وتحتفظ ذاكرتها الرياضية بأسماء وأبطال وميداليات ولحظات خالدة جعلت العلم التونسي حاضرًا فوق منصات التتويج.
لكن الرياضة التونسية تشبه أحيانًا عداءً موهوبًا يملك السرعة والإرادة، ثم يضطر، في منتصف السباق، إلى الالتفات وراءه ليتأكد إن كانت الظروف لا تزال تسمح له بمواصلة الطريق!
فنحن نرسل الرياضي إلى المنافسة ونطالبه بالنتيجة، وننتظر منه الميدالية، ثم ننسى أن الميدالية لا تبدأ يوم البطولة. الميدالية تبدأ قبل ذلك بسنوات، في ملعب صالح للتدريب، ومدرب كفء، وتجهيزات مناسبة، ورعاية طبية ورياضية، وبرنامج إعداد طويل النفس، وإدارة تدرك أن البطل لا يُصنع في أيام قليلة، ولا يمكن أن تُختصر صناعة الإنجاز في أسبوع المنافسات.
ومع ذلك، يبقى الرياضي التونسي حالة تستحق الإعجاب.
إنه ذلك الرياضي الذي يستطيع أحيانًا أن يصنع المعجزة من الإمكانات المحدودة، وأن يحوّل القليل إلى كثير، وأن يجد طريقه إلى منصة التتويج رغم صعوبة المسار، ورغم كل الحفر التي قد تعترض طريقه، وربما رغم بعض الأوراق الإدارية التي تحتاج هي الأخرى إلى سباق من نوع خاص!
رياضيون يحملون تونس
في تارانتو، لن تكون تونس مجرد رقم في جدول المشاركة، ولن يكون الرياضيون الـ181 مجرد أسماء في قوائم الوفود. سيكونون وجوهًا شابة تحمل فوق أكتافها أكثر من حقيبة رياضية. سيحملون معهم صورة تونس، وذاكرة أبطال سبقوهم، وأحلام عائلات ومدربين وأصدقاء، ورغبة في أن يسمعوا النشيد الوطني في لحظة لا تتكرر كثيرًا. قد يفوز بعضهم، وقد يخسر آخرون، وقد تكون المسافة بين الميدالية والمركز الرابع أجزاء صغيرة من الثانية أو سنتيمترات قليلة أو قرارًا فنيًا عابرًا. وهذه هي الرياضة.
لذلك، لا ينبغي أن نقيس رحلة تونس في تارانتو بعدد الميداليات فقط. فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يدخل الرياضي المنافسة وهو يعرف أنه يمثل بلده، ويبذل أقصى ما لديه، ويعود أكثر خبرة وقدرة على المنافسة.
فليذهب الـ181 إلى تارانتو. ليجروا، وليسبحوا، وليقفزوا، وليقاتلوا حتى آخر ثانية، وليفوزوا عندما تبتسم لهم التفاصيل الصغيرة، وليتقبلوا الخسارة عندما تكون المنافسة أقوى. أما نحن، فلا نطلب منهم المستحيل.
يكفي أن يعودوا وهم مقتنعون بأنهم لم يكونوا مجرد مشاركين في دورة متوسطية، بل كانوا جزءًا من حكاية تونس الطويلة مع الرياضة، وفصلًا جديدًا في ذاكرة بلد طالما عرف كيف يصنع الأبطال. وحكاية تونس الرياضية، مثل البحر الأبيض المتوسط، لا تعرف الهدوء طويلًا... كلما ظننا أنها انتهت، جاءت موجة جديدة تحمل لنا بطلًا.

