عاجل
مجتمع

مجلة الأحوال الشخصية، حين تجتمع الذاكرة لمناقشة المستقبل

مجلة الأحوال الشخصية، مكسب تاريخي أم قانون يحتاج إلى تطوير
مجلة الأحوال الشخصية، مكسب تاريخي أم قانون يحتاج إلى تطوير

مجلة الأحوال الشخصية، مكسب تاريخي أم قانون يحتاج إلى تطوير

مجلة الأحوال الشخصية مكسب تاريخي تونسي، لكن المجتمع تغيّر والأسرة تغيّرت، ومعهما تغيرت أسئلة الزواج والطلاق والإنجاب. فهل يكفي استحضار مكاسب الماضي، أم أن تونس تحتاج اليوم إلى نقاش أوسع يشارك فيه الشباب حول مستقبل الأسرة وتطوير التشريعات بما يحافظ على الحقوق ويواكب الواقع؟
كتب : شكري بن حسين / تونس - المساء
⏱ 5 دقائق للقراءة 📊 إحصائيات
احتضنت العاصمة التونسية يومي 12 و13 أوت 2026 ندوة دولية تحت عنوان «مجلة الأحوال الشخصية: مكسب من مكاسب دولة القانون»، وهو عنوان يحيل إلى تجربة تشريعية تونسية تعد من أبرز محطات تاريخ البلاد الحديث. غير أن السؤال الذي فرض نفسه، وربما كان الأكثر إزعاجًا، هو: إذا كانت الندوة تبحث في قانون ينظم حياة التونسيين وأسرهم، فأين التونسيون الذين تغيرت حياتهم جذريًا منذ صدور هذا القانون؟
🔔
اشترك في التنبيهات
آخر الأخبار فور نشرها مباشرة على هاتفك
📱

تنبيهات فورية

شهدت الندوة مداخلات أكاديمية وقانونية، من بينها مداخلة أستاذة القانون كلثوم مزيو، بتقديم نبيلة حمزة، عضوة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، في إطار نقاش بدا جادًا وقانونيًا وأكاديميًا ودوليًا. لكن، وسط هذا الحضور، بدا المستقبل وكأنه الضيف الذي لم تصله الدعوة. فالتركيبة العامة للندوة توحي بأن الذاكرة كانت حاضرة بقوة، بما تحمله من أسماء وتجارب عاشت مراحل مجلة الأحوال الشخصية وتعرف تاريخها ومكاسبها. وهذا أمر مهم ومحترم، لكن السؤال يبقى: أين الشباب؟ أين الذين ولدوا بعد صدور المجلة؟ أين الذين يعيشون اليوم تحولات مختلفة في مفهوم الزواج والأسرة والعلاقات الاجتماعية؟

تونس لم تعد تونس الستينات

المشكلة ليست في تقدير مجلة الأحوال الشخصية أو الدفاع عن مكاسبها، بل في الاعتقاد بأن القانون يمكن أن يعيش خارج الزمن. فتونس تغيرت. الأسرة تغيرت، والمرأة تغيرت، والرجل تغير، والعلاقة بين الأبناء والآباء تغيرت، كما تغير الاقتصاد وأنماط العمل والهجرة وأحلام الشباب وتطلعاتهم. وحتى مفهوم الزواج نفسه لم يعد بالضرورة كما كان قبل عقود.

القانون ليس قطعة أثرية توضع في متحف ونقف أمامها بإعجاب. القانون أداة لتنظيم حياة الناس، ولذلك فإن قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون قادرًا على مواكبة المجتمع والتحولات التي يعيشها. وإذا توقف القانون عن ملاحقة الواقع، فإنه قد يتحول تدريجيًا من أداة لتنظيم الحياة إلى مجرد صورة قديمة عنها.

الأرقام تتحدث خارج قاعات الندوات

هناك معطيات اجتماعية وديموغرافية لا تحتاج إلى مؤتمر حتى تفرض نفسها على النقاش: تراجع الزواج، ارتفاع العزوبية، تغير أنماط تكوين الأسرة، ارتفاع معدلات الطلاق، انخفاض الولادات، وتسارع شيخوخة المجتمع.

هذه التحولات تطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الأسرة التونسية. فبينما يتغير المجتمع بسرعة، يبدو أحيانًا أن جزءًا من الخطاب القانوني لا يزال يدور حول استحضار مكاسب الماضي أكثر مما ينشغل بقراءة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل. وهنا تكمن المفارقة: المجتمع يتحرك إلى الأمام، بينما بعض النقاشات تظل منشغلة بالخريطة التي رسمت قبل عقود.

هل يكفي أن يكون القانون تقدميًا بالأمس؟

كانت تونس، منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية، سباقة في عدد من المجالات المتعلقة بتنظيم الأسرة وحقوق المرأة، وهو ما منح التجربة التونسية مكانة خاصة داخل المنطقة العربية. لكن الحفاظ على هذه المكانة لا يعني تجميد التجربة.

السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل كانت مجلة الأحوال الشخصية مكسبًا تاريخيًا؟ فالجواب واضح. السؤال هو: هل ما كان تقدميًا بالأمس قادر، وحده، على الإجابة عن أسئلة المجتمع اليوم؟ طرح هذا السؤال لا يعني إلغاء المجلة، ولا المساس بمكاسب المرأة، ولا العودة إلى الوراء. بل يعني التعامل مع التجربة التاريخية باعتبارها أساسًا يمكن البناء عليه وتطويره. فالذي يحب الشجرة لا يحفظها داخل صندوق زجاجي خوفًا عليها من الهواء، وإنما يتركها تنمو ويعتني بها حتى تواصل الحياة.

عندما تصبح اللغة جزءًا من النقاش

بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
إقرأ كذلك
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات
نشر يوم 2026-09-11

ومن النقاط التي تستحق النقاش أيضًا مسألة اللغة. فالندوة تحمل صفة «الدولية»، لكن حضور العربية، وهي اللغة الرسمية للدولة التونسية، يبدو في بعض فضاءات النقاش أقل من المكانة التي يفترض أن تحظى بها. وهنا تبرز مفارقة لا تخلو من السخرية: نتحدث عن قانون تونسي، وأسرة تونسية، ومرأة تونسية، ومجتمع تونسي، ثم نجد أن اللغة الأقرب إلى المواطن ليست دائمًا اللغة الأساسية في بعض النقاشات.

كيف يمكن إشراك المجتمع في نقاش يتعلق بمستقبله إذا كان جزء من هذا النقاش يجري بلغة قد لا تكون متاحة لجميع أفراده؟ الحوار العمومي لا يكون عموميًا حقًا إذا بقي محصورًا في دائرة أكاديمية أو نخبوية ضيقة.

أين الشباب؟

ربما يكون غياب الشباب عن مثل هذه النقاشات هو المسألة الأكثر إثارة للانتباه.

فالجيل الذي سيعيش نتائج أي مراجعة أو تطوير أو تعديل لمجلة الأحوال الشخصية ليس بالضرورة الجيل الذي عايش لحظة صدورها أو عاش التحولات الأولى التي رافقتها. الشاب التونسي اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يسمع أن مجلة الأحوال الشخصية مكسب. هو يحتاج إلى أن يُسأل أيضًا: لماذا لا يتزوج؟ لماذا يؤجل الزواج؟

لماذا أصبح الزواج بالنسبة إلى كثيرين مشروعًا مؤجلًا؟ لماذا يخشى البعض تكوين أسرة؟ لماذا تراجعت الولادات؟ لماذا تتغير العلاقة بين الأزواج؟ ولماذا أصبح تكوين أسرة مستقرة تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا لدى شريحة واسعة من الشباب؟ هذه الأسئلة قد تكون أكثر إزعاجًا من عشرات المداخلات الأكاديمية، لكنها ربما تكون أكثر فائدة إذا كان الهدف فعلًا هو التفكير في المستقبل.

من حماية القانون إلى حماية الأسرة

مجلة الأحوال الشخصية مكسب تاريخي، ولا خلاف في أهمية المحافظة على مكاسبها وتطويرها. لكن التاريخ وحده لا يكفي لصناعة المستقبل. دولة القانون ليست الدولة التي تعتبر قوانينها غير قابلة للنقاش لأنها قديمة أو مرتبطة بذاكرة وطنية مهمة، وإنما الدولة التي تمتلك الشجاعة لمراجعة تشريعاتها عندما يتغير المجتمع، مع الحفاظ على المبادئ والحقوق التي تشكل جوهرها. بل إن احترام القانون يقتضي أحيانًا طرح الأسئلة الصعبة حوله. وأخطر ما يمكن أن يحدث لمكسب تاريخي هو أن يتحول الدفاع عنه إلى ذريعة لمنع التفكير فيه أو تطويره. وربما كانت الندوة تحتاج إلى ثلاثة كراسٍ رمزية في الصف الأول.

كرسي مكتوب عليه: «الشاب التونسي الذي لم يتزوج بعد». وآخر: «الشابة التونسية التي لا تعرف إن كانت تريد الزواج أصلًا». وثالث: «الطفل التونسي الذي لم يولد بعد». لو كان هؤلاء حاضرِين، ربما تغير عنوان النقاش كله.

فبدل أن يكون السؤال فقط: كيف نحافظ على مجلة الأحوال الشخصية؟ قد نبدأ أخيرًا في طرح السؤال الأكثر أهمية: كيف نحافظ على الأسرة التونسية نفسها؟ فالقانون، في نهاية المطاف، وُجد من أجل الإنسان، وليس لكي يتحول الإنسان إلى مجرد شاهد على القانون.

اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري
إقرأ كذلك
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري
نشر يوم 2026-09-13

أضف تعليق






اقرأ أيضا

الكرملين يوسع قبضته على الشركات الغربية

روسيا تضع يدها على أصول شركات غربية

في خطوة تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الأجنبية في روسيا، يتناول القرار ال...

إقرأ المزيد
نازار شهادات جنود إسرائيليين عن حرب غزة

وثائقي إسرائيلي يفتح ملف الحرب على غزة من داخل المؤسسة العسكرية

شهادات 24 عسكريًا إسرائيليًا، واتهامات بالتعتيم الإعلامي، ومواجهة مع الحكومة، و...

إقرأ المزيد
اللحوم الموردة في تونس، قصة أحمد العميري

اللحوم الموردة: من ميزان السوق إلى ميزان العدالة

قضية اللحوم الموردة في تونس تفتح ملف المال العام وصحة المستهلك، وتأتي حيثياتها ب...

إقرأ المزيد
هجرة الشباب تكشف أزمة الاتصال العمومي في تونس

تونس وصورة الدولة: الاتصال العمومي وهجرة الشباب

أزمة الاتصال العمومي في تونس تتقاطع مع هجرة الشباب والكفاءات نحو أوروبا، في وقت ...

إقرأ المزيد
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يهز الجدار الناري

لماذا صعد اليمين المتطرف في ألمانيا؟

صعود AfD في ألمانيا إلى 43.8% يفتح سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الديمقراطية الألمانية...

إقرأ المزيد
كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما في كينيا

كينيا وإيطاليا: كمال الغريبي يقود مشروعا صحيا ضخما

كينيا توقّع مع مجموعة GKSD الإيطالية مشروعًا لبناء 15 مستشفى باستثمار 419 مليون ...

إقرأ المزيد
بيان رسمي: الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات

الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات

أعلنت الحكومة الجزائرية، اليوم الخميس 10 سبتمبر 2026، قرارها قطع العلاقات الدبلو...

إقرأ المزيد
الصراع التونسي في الخارج، من واشنطن إلى بروكسيل

هل أصبح الخارج ساحة للصراع السياسي في تونس؟

تحقيق يتتبع بالوثائق مسار شبكات الضغط السياسي حول تونس من واشنطن وباريس إلى جنيف...

إقرأ المزيد
ثغرات التمديد، كيف تضيع حقوق الدولة في غياب الحسم القانوني

​واقع الثروات الطبيعية بين التطلعات الشعبية والالتزامات الدولية

تعتبر إدارة الثروات الطبيعية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس، حيث ظلت عقود ا...

إقرأ المزيد
التلفزة التونسية تؤكد تمسك النادي الافريقي بالبث الحصري الرقمي

التلفزة التونسية تعرب عن أسفها لعدم بث مباراة النادي الإفريقي

​أصدرت مؤسسة التلفزة التونسية بيانًا رسميًا، أبدت فيه أسفها الشديد لعدم التمكن م...

إقرأ المزيد