وتلجأ بعض الدول إلى استقطاب رياضيين يمتلكون مستويات فنية عالية، خصوصًا في الاختصاصات التي تتطلب سنوات طويلة من العمل والتكوين للوصول إلى منصات التتويج. وبالنسبة للدولة، يمثل هذا الخيار فرصة للاستفادة من لاعب جاهز وقادر على المنافسة في وقت قصير، بينما يجد الرياضي في المقابل فرصة جديدة لتطوير مسيرته وتحقيق طموحاته الرياضية والمهنية.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول التجنيس من خيار استثنائي إلى حل سهل وسريع لصناعة الميداليات، على حساب الاستثمار في تكوين الأبطال من الداخل. فالبطل الحقيقي لا يُصنع في موسم واحد، ولا يظهر قبل بطولة كبرى بأسابيع أو أشهر. صناعة الرياضي المتوج تبدأ منذ الطفولة، عبر اكتشاف المواهب ورعايتها، ثم توفير التدريب العلمي، والتأطير الفني، والرعاية الصحية والنفسية، والإمكانات اللوجستية والمادية التي تسمح له بالتطور والاستمرار.
والأكثر إيلامًا أن بعض المواهب لا تغادر أوطانها بحثًا عن المال أو الشهرة فقط، وإنما لأنها لم تجد داخلها البيئة الرياضية التي تساعدها على تحقيق أحلامها. وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: هل نلوم الرياضي الذي يبحث عن مستقبله، أم نراجع منظومة عجزت عن توفير أسباب بقائه؟ ومن الإنصاف القول إن التجنيس الرياضي ليس في حد ذاته ممارسة سلبية أو غير مشروعة، متى تم وفق القوانين واللوائح الدولية، وباحترام كامل لحقوق الرياضي والدولة والنادي. فحرية اللاعب في اختيار مستقبله الرياضي تظل حقًا مشروعًا، كما أن للدول الحق في وضع سياساتها الرياضية واستقطاب الكفاءات وفق الأطر القانونية. لكن الخطورة تظهر عندما يتحول اللاعب إلى مجرد رقم في مشروع ميداليات، أو عندما تصبح المواهب سلعة يتم تداولها وفق المصالح والقدرة المالية، بعيدًا عن أي رؤية حقيقية لتطوير الرياضة.
كما أن الاعتماد المفرط على التجنيس قد يمنح نتائج سريعة، لكنه لا يبني بالضرورة منظومة رياضية مستدامة. فالميدالية قد تُحصد اليوم بواسطة لاعب تم استقطابه من الخارج، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا عن الغد؟ ومن أين سيأتي الجيل القادم من الأبطال؟
إن بناء منتخبات قوية ومستدامة يتطلب استراتيجية طويلة المدى تبدأ من المدارس والأندية ومراكز التكوين، مرورًا باكتشاف المواهب ومرافقتها، وصولًا إلى توفير ظروف احتراف حقيقية تضمن للرياضي مستقبله الرياضي والاجتماعي. والدول التي تريد الحفاظ على أبنائها الرياضيين لا يمكنها الاكتفاء بمطالبتهم بالولاء والانتماء، بل عليها أن تمنحهم أولًا أسبابًا حقيقية للتمسك بوطنهم، من خلال تحسين ظروف التدريب، وتوفير الدعم المادي والطبي والنفسي، وضمان حقوقهم وفتح آفاق الاحتراف أمامهم.
وتبقى الميدالية هدفًا مهمًا، لكنها ليست المقياس الوحيد لنجاح الرياضة. فالنجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في عدد الميداليات التي تدخل خزائن الاتحادات، وإنما في قدرة المنظومة الرياضية على اكتشاف البطل وصناعته والحفاظ عليه. فإذا كنا نريد منتخبات قوية وأبطالًا يرفعون رايات أوطانهم، فلا ينبغي أن ننتظر حتى تصنعهم منظومات رياضية أخرى، ثم نسعى لاستعادتهم بالتجنيس أو الاستقطاب. صناعة البطل تبدأ من الوطن، والاستثمار في الإنسان يظل الطريق الأقصر نحو ميداليات مستدامة وهوية رياضية أكثر قوة.