ويكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصة في ظل استمرار عدد من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية التي ظلت لعقود أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغاربية. وقد وصل رئيس الجمهورية الصحراوية، إبراهيم غالي، يوم السبت إلى لواندا للمشاركة في أشغال القمة المقررة يوم 30 أوت، تحت شعار: «تعزيز آليات الوقاية من النزاعات وتسويتها في إفريقيا»، بحضور عدد من رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في الاتحاد الإفريقي وأعضاء مفوضية الاتحاد. ورغم أن جدول أعمال القمة يتناول بصورة عامة آليات منع النزاعات وإدارتها وتسويتها، فإن حضور الرئيس الصحراوي يمنح الاجتماع بعداً سياسياً إضافياً، بالنظر إلى مكانة قضية الصحراء الغربية داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي وإلى ارتباطها المباشر بالتوتر المتواصل بين الجزائر والمغرب.
الصحراء الغربية... ملف يتجاوز الحدود
تُعد قضية الصحراء الغربية من أكثر الملفات تعقيداً في منطقة شمال إفريقيا. فالمغرب يعتبر الإقليم جزءاً من أراضيه ويطرح مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً للنزاع، في حين تتمسك جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير وتدعمها الجزائر سياسياً ودبلوماسياً. وقد انعكس الخلاف حول القضية على العلاقات الجزائرية المغربية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توتراً شديداً وصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في وقت بقي فيه ملف الصحراء الغربية أحد أبرز أسباب التجاذب الإقليمي. وتزداد حساسية الموضوع داخل الاتحاد الإفريقي لأن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضو في المنظمة القارية، وهو ما يجعل القضية حاضرة بصورة متكررة في النقاشات المتعلقة بالسلم والأمن وتسوية النزاعات في إفريقيا.
حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية
وتأتي قمة لواندا في ظرف تسعى فيه المؤسسات الإفريقية إلى تعزيز قدرتها على معالجة الأزمات بعيداً عن الاعتماد المفرط على التدخلات الخارجية. ومن المنتظر أن تتناول الجلسات سبل تحسين فعالية آليات الاتحاد الإفريقي في الإنذار المبكر والوساطة وإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، إلى جانب تعزيز قدراته المالية والمؤسساتية في مجال حفظ السلام. وسيقدم مفوض الاتحاد الإفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، السفير بانكول أديوي، عرضاً رئيسياً خلال المناقشات، كما سيشارك الممثل السامي للاتحاد الإفريقي لتمويل الاتحاد وصندوق السلام، الدكتور دونالد كابيروكا، في أشغال القمة.
ويُنتظر في ختام الاجتماع اعتماد مشروع قرار وخطة عمل ومصفوفة لتنفيذ التوجهات المتعلقة بالوقاية من النزاعات وتسويتها.
حضور غالي والرسالة السياسية
ومن المنتظر أن يستغل الوفد الصحراوي مشاركة الرئيس إبراهيم غالي للتأكيد على موقف الجمهورية الصحراوية من مبادئ الاتحاد الإفريقي، وخاصة ما يتعلق باحترام السيادة والاستقلال والوحدة الترابية للدول، والتسوية السلمية للنزاعات، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وسيشارك غالي، على هامش القمة، في عدد من اللقاءات والأنشطة، رفقة وفد يضم وزير الخارجية والشؤون الإفريقية محمد يسلم بيسات، والأمينة العامة لرئاسة الجمهورية صالحة العابد، والممثل الدائم لدى الاتحاد الإفريقي لمين بعلي، وسفير الجمهورية الصحراوية في أنغولا حمدي خليل، ومدير الشؤون الإفريقية بوزارة الخارجية موسى بلال.
هل تستطيع إفريقيا الاقتراب من حل؟
السؤال الأهم الذي تطرحه قمة لواندا لا يتعلق فقط بالقرارات التي ستصدر عنها، وإنما بمدى قدرة الاتحاد الإفريقي على تحويل مبدأ «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية» إلى آليات عملية قادرة على التعامل مع النزاعات المستعصية. وتبقى قضية الصحراء الغربية اختباراً بالغ الحساسية لهذه المقاربة، خصوصاً أن أي تحرك إفريقي فيها يصطدم بتباين واضح بين مواقف الدول الأعضاء، وبحسابات إقليمية ودولية متشابكة. وبينما ترى الجزائر وجبهة البوليساريو أن القضية مرتبطة أساساً بحق تقرير المصير، يتمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. أما الاتحاد الإفريقي، فيجد نفسه أمام ضرورة الحفاظ على دوره في تسوية النزاعات دون أن يتحول الملف إلى عامل إضافي لتغذية الانقسام داخل القارة.
إن استمرار النزاع لا يثقل فقط العلاقات الجزائرية المغربية، بل ينعكس أيضاً على مشروع التكامل المغاربي، الذي بقي رهين خلافات سياسية وأمنية حالت دون تحقيق طموحات شعوب المنطقة في بناء فضاء مغاربي أكثر تعاوناً وانفتاحاً. ولذلك، قد تكون قمة لواندا فرصة جديدة للتذكير بأن النزاعات التي تستمر لعقود لا تحتاج فقط إلى بيانات سياسية، بل إلى إرادة حقيقية للحوار والوساطة والبحث عن تسويات قابلة للحياة، بما يسمح لشمال إفريقيا باستعادة موقعه الطبيعي ضمن مشروع الوحدة والتعاون الإفريقي.