التغطية الإعلامية الألمانية كشفت بوضوح أن برلين تنظر إلى تونس باعتبارها شريكًا مهمًا في معادلة أكثر تعقيدًا، تجمع بين الهجرة والأمن والاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي. صحيفة Tagesschau التابعة لـARD وضعت ملف الهجرة في قلب الزيارة، وربطت التحرك الألماني بالتطورات الأخيرة على طريق الهجرة عبر المتوسط، خصوصًا بعد التدفق الكبير للمهاجرين نحو سبتة. ووفق الصحيفة، يرى فاديفول أن تحسين الاستقرار والظروف الاقتصادية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل يمكن أن يساهم في الحد من دوافع الهجرة.
الهجرة... الملف الذي لا يغيب عن الطاولة
في هذه الزيارة، الرسالة الألمانية تبدو واضحة: برلين تريد من تونس تعاونًا أكبر في مواجهة شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية. فاديفول تحدث عن ضرورة بناء "شراكة أمنية" مع دول شمال إفريقيا، لكنه ربطها أيضًا باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي. وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه تونس انتقادات من منظمات حقوقية على خلفية طريقة التعامل مع المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء. وتكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في المقاربة الألمانية أن أوروبا تريد من مساعدة تونس في ضبط حدودها الجنوبية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبدو وكأنها تغض الطرف عن الانتهاكات المحتملة لحقوق المهاجرين.
ألمانيا لا تريد تونس حارسًا للحدود فقط
وأبرزت إذاعة Deutschlandfunk التعاون الاقتصادي والأمني، وأشارت إلى أن فاديفول اصطحب معه وفدًا اقتصاديًا، والتقى ممثلين عن قطاع الأعمال في تونس. كما ركزت على رغبة ألمانيا في معالجة أسباب الهجرة من خلال تحسين الظروف الاقتصادية في دول المنطقة، إلى جانب مكافحة شبكات التهريب. وتبرز تونس بالنسبة لألمانيا باعتبارها موقعًا صناعيًا قريبًا من أوروبا، خصوصًا في قطاعات مرتبطة بسلاسل توريد صناعة السيارات. كما أشار فاديفول إلى أهمية تونس بالنسبة للاقتصاد الألماني، وإلى وجود آلاف الطلبة التونسيين في ألمانيا ودور الكفاءات التونسية في القطاع الصحي الألماني.
الطاقة الخضراء تدخل الحسابات
وفي جانب آخر من الزيارة كانت المعادلة تتعلق بالطاقة. وأكدت وزارة الخارجية الألمانية أن برلين تريد تطوير التعاون مع تونس في مجال الطاقات المتجددة بربط تونس بشبكات الطاقة الأوروبية، إلى جانب توسيع التجارة والاستثمارات. كما اعتبرت ألمانيا الموقع الجغرافي لتونس وعلاقاتها الوثيقة مع أوروبا عوامل تجعلها شريكًا مهمًا في منطقة المتوسط، مما يعني أن تونس لا تُنظر إليها فقط كسوق أو كبلد عبور للهجرة، بل أيضًا كجزء من منظومة اقتصادية وطاقية متوسطية يمكن أن تخدم المصالح الأوروبية على المدى الطويل.
الصحافة الألمانية: "زيارة خاطفة... والخطة غائبة"
ولم تكن الصحافة الألمانية متفائلة، ذهبت صحيفة taz إلى أبعد من ذلك عندما عنونت تعليقها حول الجولة بـ "لا توجد خطة"، معتبرة أن البحث عن شركاء موثوقين في المغرب العربي يتطلب أكثر من زيارة سريعة. وترى الصحيفة أن المنطقة تعيش تناقضات جيوسياسية حادة، وأن التعامل معها يحتاج إلى استراتيجية ألمانية أكثر وضوحًا واستثمارًا طويل الأمد بصفتها جزء من مغرب عربي تتقاطع فيه المصالح الأوروبية والأمريكية والجزائرية والمغربية، كما تتداخل فيه ملفات الطاقة والأمن والهجرة والصحراء الغربية والصراعات الإقليمية.
تونس بين الحاجة إلى أوروبا والحفاظ على مصالحها
وتطرح هذه الزيارة، من الزاوية التونسية، سؤالًا في تونس بتحويل موقعها الاستراتيجي وحاجتها الأوروبية إلى شراكة اقتصادية متوازنة، بدل أن تتحول إلى مجرد نقطة متقدمة في منظومة مراقبة الهجرة الأوروبية. فألمانيا تحتاج إلى تونس في ملفات عديدة كسلاسل التوريد الصناعية، الكفاءات، الاستقرار المتوسطي، الطاقة المتجددة، ومواجهة الهجرة غير النظامية. في المقابل، تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والتكوين والأسواق الأوروبية والدعم في مشاريع الطاقة والبنية التحتية. الرسالة الألمانية
وتكشف زيارة فاديفول في النهاية أن برلين تريد إعادة بناء حضورها في شمال إفريقيا، لكن وفق مقاربة تجمع بين الاقتصاد والأمن والهجرة والطاقة، بما يتطابق مع معالجة الهجرة وبمعالجة أسبابها، أي الفقر وضعف التنمية وانعدام الاستقرار. وهي مقاربة، من حيث المبدأ، تمنح تونس فرصة لطرح ملفاتها التنموية والاقتصادية بقوة أكبر. ويبدو أن نجاح تونس في ذلك لن يتوقف على قدرتها على الانتقال من موقع الطرف الذي يُطلب منه التعاون في ملف الهجرة فقط بل إلى موقع الشريك الذي يفاوض على حزمة متكاملة من المصالح المتبادلة. وهذه الزيارة لم تكن رسالة ألمانية إلى تونس فقط، بل كانت أيضًا رسالة إلى أوروبا تبرز فيه أن شمال إفريقيا لم يعد ملف هجرة فقط؛ بل فضاء استراتيجي للاقتصاد والطاقة والأمن والمنافسة الجيوسياسية.